مركز الارتباط بسماحة اية الله العظمى السيد السيستاني (دام ظله) في لندن واوربا والامريكيتين
يوافق هذا اليوم، الخامس والعشرون من شهر شوال ذكرى شهادة الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع) سادس أئمة أهل البيت (ع) الذين أضاءت سيرتهم الكريمة ومعارفهم الإلهية الدنيا وطبقت العالم.
ويُعد الإمام الصادق (ع) من أبرز الشخصيات العلمية والفكرية في التاريخ الإسلامي، حيث اشتهر بغزارة علمه وتبحره في مختلف العلوم والمعارف. وقد عاصر الإمام الصادق (ع) فترة انتقالية مهمة في التاريخ الإسلامي تمثلت في سقوط الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية، مما أتاح له فرصة التفرغ للعلم والتدريس بعيداً عن الاضطرابات السياسية، فأسس مدرسة علمية في المدينة المنورة أصبحت منارة للعلم والمعرفة، وكان لها أثر بالغ في إثراء الحضارة الإسلامية.
وقد تميز الإمام الصادق (ع) بموسوعية علمية نادرة، وأفاض على الناس من علومه الربانية في مختلف فروع المعارف الدينية والانسانية:
- ففي الفقه والحديث، أرسى (ع) قواعد مدرسة فقهية متميزة يفتخر بها.
- وروى عنه العامة والخاصة آلاف الروايات
- وكان له دور مهم في حفظ السنة النبوية ونقلها للأجيال اللاحقة. كما وضع منهجية علمية دقيقة لاستنباط الأحكام الشرعية من مصادرها الأصلية.
- وفي علم الكلام والعقائد، قدم الإمام الصادق (ع) إسهامات كبيرة في علم الكلام فدافع عن عقيدة التوحيد الخالص وخاض مناظرات عديدة مع أصحاب المذاهب والفرق المختلفة وفند الشبهات التي أثارها المتكلمون والفلاسفة حول قضايا العقيدة الإسلامية، وخير شاهد على ذلك ما املاه على تلميذه المفضل بن عمر الكوفي والذي عرف بـ(توحيد المفضل)
- وفي التربية والأخلاق، فقد وضع الإمام الصادق (ع) منهجاً تربوياً متكاملاً يجمع بين تزكية النفس وتنمية العقل. أكد على أهمية العلم والمعرفة، وربط بين العلم والعمل، والنظرية والتطبيق. كما اهتم بالجانب الأخلاقي والسلوكي، وحث على التحلي بمكارم الأخلاق والفضائل الإنسانية.
- وأما في العلوم الطبيعية والتطبيقية فكان للإمام (ع) منها نصيب وافر خصوصا في الكيمياء والطب والفلك والرياضيات. وبهذا أملى على تلميذه جابر بن حيان خمسمائة رسالة في الطب والكيمياء، وقد برع هذا الرجل في هذا العلم حتى تمكن من تحقيق طائفة كبيرة من النظريات العلمية.
ولم تقتصر مدرسة الإمام الصادق (ع) على أتباعه وشيعته فحسب، بل كانت منفتحة على جميع طلاب العلم من مختلف المذاهب والاتجاهات الفكرية، فكانت مدرسة عالمية بحق، وقد تتلمذ على يد الإمام الصادق (ع) آلاف الطلاب من مختلف البلدان الإسلامية، وكان منهجه (ع) يتسم بالانفتاح الفكري والتسامح مع الآراء المختلفة. كان يشجع تلاميذه على الحوار والنقاش العلمي، ويحثهم على إعمال العقل والتفكير النقدي. لم يكن يفرض آراءه عليهم، بل كان يناقشهم ويحاورهم ويستمع لوجهات نظرهم. ولم يقتصر ذلك الانفتاح على المسلمين فقط، بل امتد ليشمل أصحاب الديانات الأخرى. خاض الإمام العديد من المناظرات مع علماء اليهود والنصارى والمجوس، وكان يعتمد في حواره معهم على المنطق والعقل والحجة القوية.
وقد أثرت تلك الأفكار وهذه المنهجية في مختلف المدارس الفكرية الإسلامية، سواء في الفقه أو الكلام أو التصوف. استفاد منه علماء المذاهب في مسائل الفقه والحديث، كما استفاد منه المتكلمون والفلاسفة في قضايا العقيدة والفلسفة. وكان لمدرسته دور كبير في إثراء الحركة العلمية والفكرية في العالم الإسلامي.
لقد ترك إمامنا الصادق (ع) إرثاً علمياً وفكرياً ضخماً أسهم في إثراء الحضارة الإسلامية، وما زالت آثاره العلمية والفكرية حاضرة إلى يومنا هذا. وقد مثلت شخصيته الفذة نموذجاً للعالم الموسوعي المنفتح على مختلف العلوم والثقافات، والمتسامح مع الآراء المختلفة، والساعي إلى نشر العلم والمعرفة بين الناس جميعاً فحق لذلك أن تكون شهادته (ع) وارتحاله عن هذا العالم فاجعة على المسلمين جميعا .
لذا نهيب بالمراكز والمؤسسات الاسلامية في العالم الغربي ان تعقد المؤتمرات وتقيم المجالس ليطلع المجتمع خصوصا الشباب منهم المنبهرين بالثقافة الغربية على اثار تلك المدرسة العظيمة.
اللهُمَّ صَلِّ عَلى جَعفَرِ بنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ خازِنِ العِلمِ الدَّاعي إلَيكَ بِالحَقِّ، النُّورِ المُبِينِ، اللهُمَّ وَكَما جَعَلتَهُ مَعدِنَ كَلامِكَ وَوَحيِكَ وَخازِنَ عِلمِكَ وَلِسانَ تَوحِيدِكَ وَوَلِيَّ أمرِكَ وَمُستَحفِظَ دِينِكَ فَصَلِّ عَلَيهِ أفضَلَ ما صَلَّيتَ عَلى أحَدٍ مِن أصفيائِكَ وَحُجَجِكَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.