ممثل المرجعية العليا في اوربا يعزي العالم الاسلامي بشهادة ثامن الائمة الامام علي بن موسى الرضا (ع) ويقول:
• لقد افحم الامام الرضا (ع) بمناضراته علماء الاديان ومتكلمي الفرق الاسلامية حتى اعترف الجميع باعلميته واحقية الدين الاسلامي
16 صفر 1440هـ

جاء هذا في خطبة الجمعة بمركز العباس (ع) في برمنكهام بمناسبة ذكرى استشهاد الامام الرضا (ع) والتي صادفت في 17 صفر، مفتتحا حديثه بقول جعفر بن محمد لولده الكاظم (ع) غير مرة (إن عالم آل محمد لفي صلبك، وليتني أدركته، فإنه سمي أمير المؤمنين علي)، فقال سماحته: ونحن نعيش باحزان شهادته (ع) فلا بد لنا من حديث عنه وعن مقامه ومقامات اهل البيت (ع) العلمية التي يجب على المسلمين وشبابهم ان يطلعوا عليها ويتستفيدوا منها لان سيرتهم (ع) تمثل المسيرة الواقعية للاسلام بعد عصر الرسول (ص)، ودراسة حياتهم العلمية وغيرها بشكل مستوعب تكشف لنا عن حركة الاسلام الاصيل الذي اخذ يشق طريقه الى اعماق الامة ووجدانها بعد ان اخذت طاقاتها الحرارية تتضاءل بعد وفاة الرسول (ص)، فأخذ الائمة المعصومون (ع) يعملون على توعية الامة وتحريكها وتصعيد الوعي الرسالي للشريعة ولحركة الرسول (ص) وثورته المباركة، حتى تنفتح عليهم وتتفاعل معهم لانهم أعلام للهداية ومصابيح لانارة الدرب للسالكين المؤمنين بقيادتهم، فكانوا هم الادلاء على الله لنيل مرضاته والذائبين في الشوق اليه والسابقين الى تسلق قمم الكمال الانساني المنشود، وقد حفلت حياتهم بأنواع الجهاد والصبر علی طاعة الله وتحمل جفاء أهل الجفاء بهم حتی ضربوا اسمى أمثلة الصمود والتضحية لتنفيذ أحكام الله تعالی، ثم اختاروا الشهادة مع العز، علی الحياة مع الذل، حتی فازوا بلقاء الله سبحانه بعد كفاح عظيم وجهاد كبير.

ولا يستطيع المؤرخون والمحققون والمتحدثون ان يلموا بجميع زوايا حياتهم العطرة بشكل كامل، وما يذكرونه او نذكره انما هي قبسات من سيرتهم ومواقفهم الطاهرة عسى ان ينتفع بها شبابنا واجيالنا المنبهرة اليوم بحضارة الغرب الذين لم يطلعوا على علوم الائمة المتنوعة التي نشروها في مختلف الميادين واكدوا على الاخذ منها بقولهم حدثوا الناس عن علومنا (فإنّ الناس إذا عرفوا محاسن كلامنا أحبّونا واتّبعونا).

وكان الامام الرضا (ع) واحد من اغضان تلك الشجرة الطاهرة التي اصلها ثابت وفرعها في السماء ومن اجمعت عليه كلمة المؤرخين على انه استقى علومه وانتهل معارفه من معين ابيه الامام موسى الكاظم (ع) الذي اتفقت شهادة المعنيين من جميع الطوائف بانه الامام القدوة من ائمة المسلمين وانه مجمع علم ال محمد (كما وصفه جده (ع) انفا) الذين خصهم الله بكرائم خاصة واتاهم مالم يؤت احدا من العالمين، ويكفينا في معرفة مقامه (ع) ما ذكره السبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص وغيره من انه (ع) كان يجلس في مسجد رسول الله (ص) ويفتيهم وهو ابن نيف وعشيرن سنه وكانت كل اجوبته انتزاعات من القران الكريم، وقد اشتهر هذا عنه وشاع في اوساط علماء الفقه ورجال الحديث لا في المدينة وحدها بل في جميع مراكز العلم في العالم الاسلامي، من ذلك ما رواه الحافظ بن حجر الهيتمي عن كتاب تاريخ نيسابور ان الامام الرضا (ع) لما وصل الى هذه المدينة في طريقه الى مرو سنة 200 وشق سوقها وعليه مظلة لا يرى من ورائها، تعرض له الحافظان ابو زرعة الرازي ومحمد بن اسلم الطوسي ومعهما من طلبة العلم والحديث ما لا يحصى فتضرعا اليه ان يريهما وجهه ويروي لهم حديثا عن ابائه فاستوقف البغلة وامر غلمانه بكف المظلة وصاحت العلماء معاشر الناس انصتوا واستملى منه الحافظان المذكوران حديث سلسة الذهب المعروف (لا اله الا الله حصني فمن دخل حصني امن عذابي) ثم ارخى الستر وسار، فعد اهل المحابر والدوي الذي كانوا يكتبوا فانافوا على عشرين الف، ثم قال (ع) كلمته المشهورة (بشرطها وانا من شروطها).

والموقف الاخر الذي يثبت لنا مقامه العلمي محاوراته ومناضراته مع علماء الاديان ومتكلمي الفرق الاسلامية التي اثبت فيها بانه من جهابذة الفقه وعمالقة العلم في دنيا لاسلام انذاك، وانه المرجع الاعلى في العلوم وفي ايضاح المبهمات والغوامض من المسائل والاحكام، ولذلك فقد جمع له المأمون العباسي كل اصحاب العلم للمناظرة والحوار ففاقهم (ع) بادلته القاطعة وتفوقه وقيموميته العلمية، وبهذا وغيره تلألأت شخصيته العلمية بشكل خاص.

وقد تكفلت كتب الاحتجاج بنقل جملة من هذه الحوارات، ونجدها في كتاب الاحتجاج للطبرسي وبحار الانوار للمجلسي وعيون اخبار الرضا، وقد انتجت هذه الحوارات المهمة كما يقول صاحب اعلام الهداية ما يلي:

1- تحدي ارباب الاديان والمذاهب واثبات التفوق العلمي لمدرسة اهل البيت (ع) الرسالية
2- فتح الباب لانتشار ثقافة اهل البيت (ع) في اواسط المجتمع الاسلامي
3- توجيه المسلمين الى خط اهل البيت (ع) الرسالي ودعوتهم للانشداد بهم دون غيرهم دعوة صامتة
4- دعم الدولة الاسلامية لانها قدمت للانسانية الرصيد العلمي الذي تمتلكه الحضارة الاسلامية
5- ولا نستبعد هذه الفتوحات الكبيرة سببا من اسباب الاسراع للقضاء على شخص الامام (ع) لان تفوقه واشراقه يعود بنتائج سلبية على شخص المأمون فيكون وجوده مزاحما له والذي يحمل اكبر الامال في احكام السيطرة على العالم الاسلامي

وقد تنوعت مجالات الحوار فشملت التوحيد والنبوة والانبياء (ع) والامامة والائمة (ع) والمذاهب الاسلامية والخلافة والصحابة وغيرها من مسائل الخلاف بين المسلمين.

ومضافا الى الجهود التي بذلها الامام (ع) في تعليم وتربية من التفّ حولـه من التلامذة والموالين، الذين بلغ عدد الرواة عنه والمنتهلين من علومه ومعارفه حسب احصاء احد العلماء الباحثين الى ثلاثمائة وسبعة وستين شخصاً وهذا العدد من ضمن العدد الكلي (4000) ممن تخرج من مدرسة اهل البيت (ع) في مختلف العلوم انذاك.

والخلاصة ان فترة الامام الرضا (ع) كانت من اثرى واخصب الفترات التي استفادت فيها الامة من علوم اهل البيت (ع)، فقد استثمرت فرصة الانفتاح العلمي في تبليغ مبادئ الدين، والدفاع عن مناهج الرسالة، وفي رفع معنويات وثقة ابناء الامة في دينهم، وتوضيح ما التبس عليهم، بسبب الجهل او التحريف الداخلي، ولتحصينهم من تأثير الثقافات والافكار المخالفة للاسلام التي انتشرت في ذلك الوقت.

ولذلك بعث (ع) رسالة الى الفقهاء والعلماء في كافة اجيال الامة وعصورها، بأن لا تستهويهم المناصب والمواقع لذاتها، بل يجب ان يسخرّوها اذا ما وصلوا اليها او تورطوا بها، من اجل نشر الدين، وخدمة الامة.

وختم سماحته بالدعاء ليوفّق العاملين الى نشر علوم معارف اهل البيت (ع) في كل مكان خصوصا عى الساحة الغربية
((وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون))