ممثل المرجعية العليا في اوربا يقول:
• الحج من الفرائض العبادية السياسية، فلو وظّف المسلمون منافعه واهدافه لسادوا العالم بذلك، ولكن شغلهم حب الدنيا وملذاتها فلذا اصبحوا غثائا كغثاء السيل
• هيبة المسلمين منوطة بالتمسك بمبادئ الاسلام وتطبيقها، وعدم الركون الى الاخرين، والحج مظهر من مظاهرها
17 ذو القعدة 1438هـ

بهذا تحدث سماحته في خطبة الجمعة بمركز القائم في مقاطعة سلاو البريطانية، مبتدءا بحديث الامام ابي جعفر الباقر (ع) الذي قال (بني الإسلام على خمس دعائم، إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم شهر رمضان، وحج بيت الله الحرام، والولاية لنا أهل البيت).

ان فريضة الحج من الفرائض العبادية السياسية وهي مدرسة مهمة لو وعى المسلمون فوائدها الاقتصادية والاجتماعية والاخلاقية والعبادية والسياسية لسادوا العالم، واليها الاشارة بقوله تعالى ((ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في ايام معلومات على ما رزقهم من بهيمة))، وحيث ان الوقت لا يسع لبيان هذه الفوائد نقتصر على ذكر بعض اهدافه السياسية الهامة التي غفل المسلمون او تغافلوا عنها واعتبروها من الفرائض الدينية فحسب:

1- ان فريضة الحج تخلق الكيان الواحد عند المسلمين، فنجد الحاج وغير الحاج منهم في هذه الايام قلوبهم وضمائرهم مشدودة الى الكعبة المشرفة والى البقعة الطاهرة وتلك الاماكن المقدسة، وهذا التوجه الى بيت الله الحرام يخلق الكيان الواحد والروح الواحدة والهدف الواحد والخط الواحد والمركز الواحد والرسالة الواحدة والعقيدة الواحدة، فليست عندهم انتماءات ولا ولاءات الى الغير، وانما اتجاههم الى الواحد الدّيان، وهذا اللون من الشعور عند المسلمين يخلق الروح الواحدة، وهو مبدء سياسي مهم، فالحاج عندما يقول (لبيك اللهم لبيك) معنى هذه التلبية انها جواب لنداء الرحمن ((واذن للناس بالحج))، فنحن نجيب الجليل جل وعلا بقولنا هذا ومعناه اليك جئنا والى بيتك اتجهنا، لم نتجه الى بيت شرقي ولا الى بيت غربي، ولم ننتمي الى حزب او الى اي جهة او لغيرهما، وانما الاتجاه اليك دون غيرك، فمنك صدرنا واليك رجعنا وعليك اعتمدنا وانت ثقتنا ورجاءنا يارب العالمين، وهذا معنى سياسي عميق لو ادركه المسلمون وفكروا بمضمونه، حيث الطواف حول البيت ملبين ومصلين باتجاه واحد وهو البيت الحرام، وساعين بين جبلين مقدسين الصفا والمروة، اذن فالطواف حيث ما امر الله، والصلاة حيث ما امر الله، والسعي حيث ما امر الله، وهكذا الاحرام هو المنسك الاخر الذي يمثّل ما امر الله ، وفيه درس بليغ عميق في تربية الامة بأن تسير حول خط واحد ومنهج واحد، وان تنبذ خلافاتها واحقادها وما فيها من ضغائن، وتسير على الخط الذي رسمه الله لها دون مبالاة واكتراث بكل القوى والايدلوجيات والتوجهات.

وهذا اللون من التوجه لا يمكننا ان نستفيده من اي عبادة او طاعة سوى الحج، فترى الحاج على هيئة واحدة ولباس واحد متجردا من كل روتينيات الدنيا ولذائذها، ولا ننسى تروك الاحرام الشاقة هي الاخرى في حد ذاتها تعطي للفرد ارادة قوية صلبة بحيث يسيطر على زمام النفس واهوائها ورغباتها وتوثق علاقة الانسان بالله سبحانه وتعالى.

وبهذا الارتباط مع الله على هذا الشكل وعلى هذا النمط تتهاوى جيمع الارتباطات وجميع الاعتبارات الا مع الله لانه يخلق عند الفرد المسلم الاتجاه الى قوته الوحيدة دون غيرها من القوى، ولا يدين ولا يعترف بأي طاغية او جبار او متكبر في الارض، فاذن شعار (لبيك اللهم لك لبيك) وشعار (الله اكبر) شعار سياسي مرعب ومخيف لكل من لا يعرف الله ولكل ظالم ومعتدي، ولهذا نرى القوى الشريرة تخاف من هذا الشعار وتخاف من اتحاد المسلمين على هذا الشعار ووفق هذا الخط وعلى هذا الطريق.

هذا هو مجمل الهدف السياسي الاول.

2- اما الهدف السياسي الثاني الذي نستفيده من فريضة الحج هو ان الحج يخلق هيبة عند المسلمين بحيث لا يوجد هذا المظهر عندهم الا بهذه الصورة فهو يخلق عندهم جانب العزة والكرامة، وهذا ما نراه من خلال بعض تشريعاته، فنراه قد سنّ الجماعة في الفرائض اليومية لتظهر بذلك هيبة المسلمين، وهذا المظهر لا يستفاد منه اذا صلى المسلمون الصلاة فرادى، بينما نراه يظهر في حالة اقامة الصلاة جماعة، مضافا الى ما فيها من الاهداف الاجتماعية والاخلاقية والتربوية وغيرها، وهكذا نرى صلاة الجمعة والعيد تجمعهما اوسع من الجماعة والجمعة، والحج هو ذلك المؤتمر المسنوي الذي يجتمع فيه المسلمون من كل حدب وصوب على اختلاف الوانهم وجنسياتهم ولغاتهم وقومياتهم ومناصبهم، وبهذا تظهر هيبتهم وعزتهم وقوتهم وكرامتهم ومقامهم، وهذا التجمع يخيف الاعداء بأن يتحد المسلمون في مكان واحد وعلى ارض واحدة وعلى هيئة واحدة بالطواف والسعي ومنى وعرفات وفي المشعر الحرام وفي غيرها من المناسك المقدسة.

والسؤال الذي ينبغي ان نطرحه هنا هل استفاد المسلمون من هذا المؤتمر المليوني السنوي الضخم لنبذ خلافاتهم وجلوسهم في مكان واحد ليتذاكروا فيما يحتاجون اليه من خلال لقاءاتهم الثنائية؟ الجواب: كلا! وهذا مما يؤسف له. والله سبحانه وتعالى يقول ((ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم))

والسؤال الثاني ان عدد المسلمين اليوم يقدر بقرابة مليار ونصف المليار مسلم على وجه الكرة الارضية يتحكمون بأهم ممرات العالم وعندهم ترسانات من الاسلحة والذهب الاسود وما وهبه الله لهم من الخير الكثير والنعمة العظيمة، غير اننا نرى بان الخلافات تمزقهم والصراعات الدامية قد فرقتهم والدول الطامعة قد لعبت بمقدراتهم وصارت تملي عليهم مطالبها، فصاروا يتذللون ويتوددون اليها ويطلبون النجدة والنصرة منها، فهم كيان هزيل ضعيف نتيجة عدم اتحادهم واتفاقهم، وحبهم الدنيا وكراهيتهم الموت، قال (ص) (توشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها قيل أمن قلة نحن يومئذ قال بل أنتم كثير ولكن غثاء كغثاء السيل ولتنزعن المهابة منكم وليقذفن الوهن في قلوبكم قالوا وما الوهن قال حب الدنيا وكراهية الموت) لان الامة اذا ماتت فيها روح الدفاع والتضحية والبذل والعطاء والفداء واصبحت تحب الخلود الى الراحة والدعة فيكون مصيرهم وحالهم هذا ، بينما نرى الامة التي تتعطش للشهادة وترخص نفسها في سبيل العقيدة تبقى حية وخالدة كما فعل المسلمين الاوائل، حيث تعشقوا الشهادة في سبيل بقاء المبدء وخلوده، واعاد لنا التاريخ تلك الذكريات بموقف العراقيين هذا اليوم على اختلاف رتبهم ومناصبهم وتوجهاتهم، فدحروا الاعداء وحرروا الموصل وغيرها من الاماكن في العراق.

فلا يمكن ان تعود الينا قوتنا وهيبتنا الاّ من خلال تمسكنا بمبادئ الاسلام وتطبيقه، وعدم الركون الى الكافرين والظالمين والى هذه الدنيا الفانية والالتجاء اليها، لان هذا التوجه يبقي عندنا حب البقاء والراحة وعندها ننسى الدفاع عن عقيدتنا ومقدساتنا.

وختاما علينا ان نعلم بأن الاعداء غير غافلين عنا فهم يخططون لازالة هيبة المسلمين وسلب كرامتهم وعزتهم وبكل وسيلة وبكل قوة، لانهم يعلمون باتحادنا وتمسكنا بمبادئنا تنهزم هذه القوى المعادية، ويبقى المسلمون مسيطرين على خيراتهم وثرواتهم الطبيعية وبالتالي حرمان هؤلاء من منافعهم التي جاؤوا الى نهبها وسلبها.

((ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون))

نسال المولى جل وعلا ان يحفظ المسلمين من كل سوء وبلاء انه سميع مجيب.