فهرس الكتاب

 

تمهيد

أحسب أن القوم لم ينسجوا هذا الإفك [ اسلام والدي أبي بكر ] على نول الجهل بتراجم الرجال فحسب ، ولا أن لهم مأربا في آباء المهاجرين أسلموا أو لم يسلموا ، أو أن لهم غاية في إسلام أبوي أبي بكر ، لكنهم زمروا لما لم يزل لهم فيه مكاء وتصدية من تكفير سيد الأباطيح شيخ الأئمة أبي طالب والد مولانا أمير المؤمنين سلام الله عليهما ، وذلك بعد أن عجزوا عن الوقيعة في الولد فوجهوها إلى الوالد أو إلى الوالدين كما فعله الحافظ


( 3 )

العاصمي في زين الفتى . وكن من تهويلهم في تخفيف تلكم الوطأة أن جروا ذلك إلى والدي النبي المعظم صلى الله عليه وآله وسلم وعليهما حتى قال العاصمي في زين الفتى عند بيان وجه الشبه بين النبي والمرتضى صلى الله عليهما وآلهما : أما تشبيه الأبوين في الحكم والتسمية ، فإن النبي في كثرة ما أنعم الله تعالى عليه ووفور إحسانه إليه لم يرزقه إسلام أبويه ، وعلى هذا جمهور المسلمين (1) إلا شرذمة قليلين لا يلتفت إليهم ، فكذلك المرتضى فيما أكرمه الله به من الأخلاق والخصال وفنون النعم والأفعال لم يرزقه إسلام أبويه . انتهى .

فلم تفتأ هلم في ذلك جلبة ولغط مكابرين فيهما المعلوم من سيرة شيخ الأبطح وكفالته لصاحب الرسالة ، ودرئه عنه كل سوء وعادية ، وهتافه بدينه القويم ، وخضوعه لناموسه الإلهي في قوله وفعله وشعره ونثره ، ودفاعه عنه بكل ما يملكه من حول وطول .

ولـــــو أبـــــو طـــــالـــــب وأبـــــنـــــه * لما مثـــــل الـــــدين شخــــصا وقاما

فـــــذاك بمــــكـــــة آوى وحـــــامـــــى * وهذا بيـــــثرب جـــــس الحـــــمامــا

تكفـــــل عـــــبـــــد منـــــاف بأمــــــــر * وأودى فكـــــان عـــــلـــــي تمـــــاما

فـــــقل فـــــي تبـــــيـــــر مضى بعد ما * قـــــضى ما قضاه وأبقى شماما (2)

فللـــــه ذا فـــــاتحـــــا للـــــهـــــــــدى * ولله ذا للمعـــــالـــــي خـــــتــــامـــــا

ومـــــا ضـــــر مجـــــد أبي طـــــالــب * جـــــهول لغـــــا أو بصـــــير تــعامى

كمــــــا لا يضـــــر إيــــاب (3) الصبا * ح من ظن ضوء النهار الظلاما (4)

____________

(1) أفك الرجل على جمهور المسلمين ، فان الإمامية والزيدية على بكرة أبيهم ومن حذا حذوهم من محققي أهل السنة ذهبوا إلى إسلام والدي النبي الأقدس ، ومن شذ عنهم فلا يؤبه به ولا يلتفت إليه . (المؤلف) .

(2) ثبير وثمام : اسما جبلين .

(3) في شرح النهج : إياة ، ومعناه الضوء .

(4) ذكرها ابن أبي الحديد نفسه في شرحه : 3 / 317 [ 14 / 84 كتاب 9 ] . (المؤلف) .


( 4 )

وهناك طرق لا يمكن التوصل إلى الإذعان بنفسيات اي أحد إلا بها ، ألا وهي :

1 ـ استنباطها مما يلفظ به من قول .

2 ـ أو مما ينوء به من عمل .

3 ـ أو مما يروي عنه آله وذووه . فإن أهل البيت أدرى بما فيه .

4 ـ أو مما أسنده إليه من لاث به وبخع له .

 

ـ 1 ـ

أقوال أبي طالب المثبته لإيمانه

 

أما أقوال أبي طالب سلام الله عليه فإليك عقودا عسجدية من شعره الرائق مثبتة في السير والتواريخ وكتب الحديث .

أخرج الحاكم في المستدرك (1) (2 / 623) بإسناده عن ابن إسحاق قال : قال أبو طالب أبياتا للنجاشي يحضه على حسن جوارهم والدفع عنهم ـ يعني عن المهاجرين إلى الحبشة من المسلمين :

ليعـــــلم خــــيار الناس أن محمدا * وزير لموسى والمسيح ابن مريم

أتانـــــا بهـــــدي مثــــل ما أتيا به * فكـــل بأمر الله يهدي ويعصم (2)

وإنكم تـــــتلونه فـــــي كتـــــابــكم * بصدق حـــــديث لا حديث المبرجم  

وإنـــــك مـــــا تأتيك منها عصابة * بفـــــضلك إلا أرجعـــــوا بالتــكرم

وقال سلام الله عليه من قصيدة :

فبـــــلغ عـن الشحناء أفناء غالب * لويـــــا وتيـــــما عند نصر الكرائم

لانا سيوف الله والمجــــد كــــلــــه * إذا كان صوت القوم وجي الغمائم

ألم تعـــــلموا أن القـــــطيـعة مأثم * وأمـــــر بـــــلاء قــــاتم غير حازم

وأن سبـــــيـــل الرشد يعلم في غد * وأن نعـــــيم الـــــدهر ليـــس بدائم

____________

(1) المستدرك على الصحيحن : 2 / 680 ح 4247 .

(2) في البيت إقواء .


( 5 )

 

فـــــلا تسفــــهن أحلامكم في محمد * ولا تتبعـــــوا أمـــــر الغــــواة الأشائم

تمنيـــــتـــــم أن تقــتـــــلــــوه وإنما * أمانيكـــــم هـــــذي كـــــأحلام نـــــــائم

وإنكـــــم والله لا تقـــتـــــلـــــونـــــه * ولما تروا قطف اللحى والغلاصم (1)

ولم تبصروا والأحياء منكم ملاحما * تحـــــوم عـــليها الطيـــــر بعــد ملاحم

وتدعـــــو بأرحام أواصـــــر بــيــننا * فـــــقد قـــــطع الأرحـام وقع الصوارم

زعـــــمتم بأنا مسلمـــــون محــمدا * ولمـــــا نقـــــاذف دونـــــه ونـــــزاحــم

مــن القوم مفضال أبي على العدى * تمـــــكن في الفرعــــيــن من آل هاشم

أميـــــن حبـــــيب فــي العباد مسوم * بخـــــاتم رب قاهـــــر فـــــي الخـــواتم

يـــــرى النــاس برهانا عليه وهيبة * وما جـــــاهل فـــــي قــــومه مثل عالم

نبـــــي أتـــــاه الــوحي من عند ربه * ومـــــن قـــــال لا يقـــرع بها سن نادم

تطيـــــف بـــــه جــــرثومة هاشمية * تذبـــــب عـــــنـــــه كــــل عــات وظالم

ديوان أبي طالب (ص 32) ، شرح ابن أبي الحديد (3 / 313) (2) .

ومن شعره في أمر الصحيفة التي سنوقفك على قصتها قوله :

ألا أبلـــــغا عـــــني عـــلى ذات بينها * لويـــــا وخـــــصا من لوي بني كعب

ألم تعـــــلموا أنـــــا وجـــــدنا محمدا * رســـولا كموسى خط في أول الكتب

وأن عـــــليـــــه في العـــــباد محــبة * ولا حيـــــف فيــمن خصه الله بالحب

وأن الـــــذي رقشتـــــم فــــي كتابكم * يكون لكم يوما كراغية السقب (3 )

____________

(1) في رواية : والجماجم . الغلاصم جمع الغلصمة : اللحم بين الرأس والعنق . (المؤلف) .

(2) ديوان أبي طالب : 84 ـ 85 ، شرح نهج البلاغة : 14 / 73 كتاب 9 .

(3) في رواية ابن هشام : وإن الذي ألصقتم من كتابكم * لكم كائن نحسا كراغية السقب. رقش : كتب وسطر . الراغية من الرغاء : أصواب الإبل . السقب : ولد الناقة . (المؤلف) .

أفيقوا أفيقوا قبل أن تحفر الزبى (1) * ويصبــــــح من لم يجن ذنبا كذي ذنب

 


( 6 )

 

ولا تتبعوا أمر الـــــغــــــواة وتقطعـــوا * أواصــرنا بعـــــــد المـــــودة والقـــرب

وتسجــــلبـــــوا حربا عوانا (2) وربما * أمر عـــــلى مــن ذاقــــه حلـب الحرب

فلسنـــــا وبـــيت الله نسلـــــم أحـــــمدا * لعزاء من عض الزمان ولا كــرب(3)

ولمـــــا تبـــــن منـــــا ومنــكم سوالف * وأيـــــد أتــــرت (4) بالمهندة الشـــهب

بمعـــــترك ضنــــك تـــــرى كـسر القنا * به والضباع العرج تعكف كالشـرب(5)

كـــــأن مجـــــال الخـــــيل فـي حجراته * ومعـــــمعة الأبطـــــال معـــركة الحرب

ألـــــيس أبونا هـــــاشــــم شـــــد أزره * وأوصى بنـــــيه بالطـــــعان وبالضــرب

ولســـــنا نمـــــل الحـــــرب حتـى تملنا * ولا نشتكـــــي مـــــما ينــوب من النكب

ولكنـــــنا أهـــــل الحـــــفائظ والنــــهى * إذا طـــــار أرواح الكمــــاة من الرعب

سيرة ابن هشام (1 / 373) ، شرح ابن أبي الحدبد (3 / 313) ، بلوغ الأرب (1 / 325) ، خزانة الأدب للبغدادي (1 / 261) ، الروض الأنف (1 / 220) ، تاريخ ابن كثير (3 / 87) ، أسنى المطالب (ص 6 ، 13) ، طلبة الطالب (ص 10) (6) . ومن شعره قوله :

ألا مـــــا لهـــم آخر الليل معتم * طواني وأخرى النجم لما تقحم

____________

(1) في سيرة ابن هشام [ 1 / 377 ] : الترى ، بدل الزبى . (المؤلف) .

(2) الحرب العوان : التي قوتل فيها مرة بعد أخرى . أشد الحروب . (المؤلف) .

(3) العزاء : السنة الشديدة . عض الزمان : شدته وكلبه . (المؤلف) .

(4) تبن : تنفصل . السوالف : صفحات الأعناق . أترت : قطعت . (المؤلف) .

(5) ضنك : ضيق . الضياع العرج مر ص 58 . الشرب : الجماعة من القوم يشربون . والشطر الثاني في سيرة ابن هشام [ 1 / 379 ] : به والنسور الطخم يعكفن كالشرب . (المؤلف) .

(6) السيرة النبوية : 1 / 377 ـ 379 ، شرح نهج البلاغة : 14 / 72 كتاب 9 ، خزانة الأدب : 2 / 76 ، الروض الأنف : 3 / 283 ، البداية والنهاية : 3 / 108 .


( 7 )

 

طـــــواني وقـــــد نامـــــت عيون كثيرة * وســـــامر أخـــــرى قاعـــــد لـم ينوم

لأحـــــلام أقـــــوام أرادوا محـــــمــــدا * بظـــــلم ومـــــن لا يتـــقي البغي يظلم

سعـــــوا سفـها واقتادهم سوء أمرهم * عـــــلى خــــائل من أمرهم غير محكم

رجـــــاة أمـــــور لم ينـــــالوا نظــامها * وإن نشـــــدوا فـــــي كــل بدو وموسم

يرجـــــون منـــــا خـــــطة دون نيـــلها * ضـــــراب وطعن بالوشيج المقوم (1)

يرجـــــون أن نسخـــــي بقـــــتل محمد * ولــــم يختضب سمر العوالي من الدم

كـــــذبتم وبـــــيت الله حـــــتى تفـــلقوا * جـــــماجم تلـــقى بالحميم وزموم (2)

وتقـــــطع أرحـــــام وتـــــنسى حــليلة * حـــــليلا ويغـــــشى محــرم بعد محرم

وينهـــــض قـــــوم بالحـــــديد إليــــكم * يـــــذبون عـــــن أحـــسابهم كل مجرم

هـــــم الأسد أسد الزارتين إذا غـــدت * على حنـــــق لـم تخـــش إعلام معــلم

فيا لبـــــني فـــــهر أفيــقوا ولم تقـــــم * نـــــوائح قتــلى تـــدعي بالتـسدم (3)

على ما مضى من بغيكم وعـــــقوقكم * وغـــــشيانكم فــــي أمرنا كـــل مأتـــم

وظلم نبـــــي جاء يدعو الى الهـــــدى * وأمر أتى من عند ذي العرش قيم(4)

فـــــلا تحـــــسبونا مسلمـــــيه ومثـله * إذا كـــــان فـــــي قــــوم فليس بمسلم

فهـــــذي معـــــاذير وتقـــــدمة لـــــكم * لـــــكيلا تكـــــون الحـــــرب قبل التقدم

ديوان أبي طالب (5) (ص 29) ، شرح ابن أبي الحديد (3 / 312) (6) .

وله قوله مخاطبا للنبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم :

____________

(1) الوشيج : الرماح .

(2) في الديوان : تفرقوا . بدلا من : تفلقوا . و : بالحطيم . بدلا من : بالحميم .

(3) التسدم من السدم : الهم مع الندم ، الغيظ مع الحزن . (المؤلف) .

(4) في رواية شيخ الطائفة : مبرم . (المؤلف) .

(5) ديوان أبي طالب : ص 82 ـ 83 .

(6) شرح نهج البلاغة : 14 / 71 كتاب 9 .


( 8 )

 

والله لـــــن يصلـــوا إليك بجمعهم * حتـــــى أوســـد في التراب دفينا

فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة * وابشر بــــذاك وقـــر منك عيونا

ودعوتني وعلمت أنك ناصحـــــي * ولقد دعــوت وكنت ثم أمينا (1) 

ولقـــــد عـــــلمت بأن ديـن محمد * من خـــــير أديـــــان البـرية دينا

‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌رواها الثعلبي في تفسيره وقال : قد أتفق على صحة نقل هذه الأبيات عن أبي طالب : مقاتل ، وعبد الله بن عباس ، والقسم بن محضرة ، وعطاء بن دينار .

راجع : (2) خزانة الأدب للبغدادي (1 / 261) ، تاريخ ابن كثير (3 / 42) ، شرح ابن أبي الحديد (3 / 306) ، تاريخ أبي الفدا (1 / 120) ، فتح الباري (7 / 153 ، 155) ، الإصابة (4 / 116) ، المواهب اللدنية (1 / 61) ، السيرة الحلبية (1 / 305 )، ديوان أبي طالب (ص 12) طلبة الطالب (ص 5) بلوغ الارب (1 / 325) ، السيرة النبوية لزيني دحلان هامش الحلبية (1 / 91/ 211 )، وذكر البيت الأخير في أسنى المطالب (ص 6) فقال: عدّة البرزنجي من كلام أبي طالب المعروف. لفت نظر:

زاد القرطبي وابن كثير في تاريخه على الأبيات:

لولا الملامة أو حذاري سبة * لوجــــدتني سمحا بذاك مبينا

____________

(1) وفي رواية القسطلاني :

ودعوتني وزعمت أنك ناصحي * ولقــــد صدقــــت وكنت ثم أمينا

( المؤلف)

(2) خزانة الأدب : 2 / 76 ، البداية والنهاية : 3 / 56 ، شرح نهج البلاغة : 14 / 55 كتاب 9 ، فتح الباري : 7 / 194 ، 196 ، المواهب اللدنية : 1 / 223 ، السيرة الحلبية : 1 / 287 ، ديوان أبي طالب : ص 41 ، السيرة النبوية لزيني دحلان : 1 / 45 ، أسنى المطالب : ص 10 .


( 9 )

قال السيد أحمد زيني دحلان في أسنى المطالب (1) (ص 14) : فقيل : إن هذا البيت موضوع أدخلوه في شعر أبي طالب وليس من كلامه .

قال الأميني : هب أن البيت الأخير من صلب ما نظمه أبو طالب عليه السلام فإن أقصى ما فيه أن العار والسبة ، اللذان كان أبو طالب عليه السلام يحذرهما خيفة أن يسقط محله عند قريش فلا تتسنى له نصرة الرسول المبعوث صلى الله عليه وآله وسلم ، إنما منعاه عن الإبانة والإظهار لاعتناق الدين ، وإعلان الإيمان بما جاء به النبي الأمين ، وهو صريح قوله : لوجدتني سمحا بذاك مبينا ، أي مظهرا ، وأين هو عن اعتناق الدين في نفسه ، والعمل بمقتضاه من النصرة والدفاع ؟ ولو كان يريد به عدم الخضوع للدين لكان تهافتا بينا بينه وبين أبياته الأولى التي ينص فيها بأن دين محمد صلى الله عليه وآله وسلم من خير أديان البرية دينا ، وأنه صلى الله عليه وآله وسلم صادق في دعوته أمين على أمته .

ومن شعره قوله قد غضب لعثمان بن مظعون حين عذبته قريش ونالت منه :

أمن تذكـــــر دهـــــر غـــــير مأمـــون * أصبحـــــت مكتـــــئبا تبكي كمحزون

أم من تـــــذكر أقـــــوام ذوي سفـــــه * يغـــشون بالظلم من يدعو إلى الدين

ألا تـــــرون أذل الله جـــــمعـــــكــــــم * إنا غـــــضبـــــنا لعــثمان بن مظعون

ونمنـــــع الضيــــم من يبغي مضيمنا * بكــــل مـــــطــرد فــــي الكف مسنون  

ومرهـــــفات كـــــأن المـــلح خالطها * يشـــــفى بها الداء من هام المجانين

حتـــــى تقـــــر رجـــــال لا حــلوم لها * بعـــــد الصعـــــوبة بالأسماح واللين

أو تــــؤمنوا بكتـــــــاب منـــزل عجب * على نبي كموسى أو كذي النون (2)

ومن شعره يمدح النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم قوله :

____________

(1) أسنى المطالب : ص 25 .

(2) شرح ابن أبي الحديد : 3 / 313 [ 14 / 73 كتاب 9 ] (المؤلف) .


( 10 )

 

لقـــــد أكـــــرم الله النبي محمدا * فأكرم خلق الله في الناس أحمد

وشـــــق لــــه من إسمه ليجله * فذو العرش محمود وهذا محمد

أخرجه (1) البخاري في تاريخه الصغير من طريق علي بن يزيد ، وأبو نعيم في دلائل النبوة (1 / 6) ، وابن عساكر في تاريخه (1/275) ، وذكره له ابن أبي الحديد في شرحه (3 / 315) ، وابن كثير في تاريخه (1 / 266) ، وابن حجر في الإصابة (4 / 115) ، والقسطلاني في المواهب اللدنية (1 / 518) نقلا عن تاريخ البخاري ، والديار بكري في تاريخ الخميس (1 / 254) فقال : أنشأ أبو طالب في مدح النبي أبياتا منها هذا البيت :

وشق له من إسمه ليجله * ........................

حسان بن ثابت ضمن شعره هذا البيت فقال :

ألم تر أن الله أرسل عبده * بآياتـــه والله أعلى وأمجد

وشق له من إسمه ليجله * .................................

والزرقاني في شرح المواهب (3 / 156) وقال : توارد حسان معه أو ضمنه شعره وبه جزم في الخميس ، أسنى المطالب (2) (ص 14) .

ومن شعره المشهور كما قاله ابن أبي الحديد في شرحه (3) (3 / 315) .

أنـــــت النبــــي محمد * قـــــرم أغــــر مسود

لمســـــودين أكــــارم * طابـــوا وطاب المولد

نعـــم الأرومة أصلها * عمرو الخضم الأوحد

____________

(1) التاريخ الصغير : 1 / 38 ، دلائل النبوة : 1 / 44 ح 2 ، تاريخ مدينة دمشق : 3 / 32 ـ 33 ، شرح نهج البلاغة : 14 / 78 كتاب 9 ، البداية والنهاية : 2 / 325 ، المواهب اللدنية : 2 / 25 .

(2) أسنى المطالب : ص 24 .

(3) شرح نهج البلاغة : 14 / 77 كتاب 9 .


( 11 )

 

هشـــــم الربـيكة في الجفا * ن وعـــيش مكة أنكد (1)

فجـــــرت بـــــذلك سنــــــة * فيـــــها الخبــــيزة تـــــثرد

ولنـــــا السقـــــاية للحجيـ * ـج بهــــا يماث العنجد (2)

والمأزمان (3) وما حوت * عـــرفاتهــــــا والمسجــــد

أنى تضـــــام ولـــــم أمـت * وأنا الشجـــــاع العـــــربـد

وبطـــــاح مكـــــة لا يـرى * فيـــــها نجـــــيـــــع أســود

وبنـــــو أبـــــيك كأنـــــهــم * أســـــد العـــــرين توقـدوا

ولقـــــد عهـــــدتك صادقــا * فـــــي القـــــول لا يتـــزيد

ما زلت تنطـــــق بالصـــوا * ب وأنـــــت طـــــفل أمــرد

جاء أبو جهل بن هشام إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو ساجد وبيده حجر يريد أن يرميه به ، فلما رفع يده لصق الحجر بكفه فلم يستطع ما أراد ، فقال أبو طالب :

أفيقــوا بنـــــي غـــالب وانتهوا * عن الغي من بعض ذا المنطق

وإلا فـــــإني إذن خـــــائـــــــف * بوائـــــق فـــــي داركم تلتــــقي

تكـــــون لغـــــيركم عـــــبــــرة * ورب المغـــــارب والمـــــشرق  

كمـــــا نــال من كان من قبلكم * ثمـــــود وعـــــاد ومــــــاذا بقي

غـــــداة أتاهـــــم بهــا صرصر * وناقـــــة ذي العـرش قد تستقي

فحـــــل علـــــيهم بهــــا سخطه * مـن الله في ضربة الأزرق (4)

____________

(1) عمرو : أسم هاشم بن عبد مناف . الخضم : كثير العطاء . الربيكة : طعام يعمل من تمر وأقط وسمن .

(2) مات الشيء ميتا : مرسه . ومات الملح في الماء : أذابه . العنجد : الزبيب .

(3) المأزمان : موضع بمكة بين المشعر الحرام وعرفة وهو شعب بين جبلين [ معجم البلدان : 5 / 40 ] .   ( المؤلف)

(4) الأزرق : عاقر ناقة صالح .


( 12 )

غـــــداة يعــــض بعــرقوبها * حــســاما من الهند ذا رونق

وأعجـب من ذاك في أمركم * عجــائب في الحجر الملصق

بكــــف الــذي قام مـن خبثه * إلى الصابر الصادق المتقي

فأثبــــته الله فــــي كــــفــــه * عــلى رغمه الجائر الأحمق

أحيمــق مخزومكم إذ غوى * لغــــي الغــــواة ولــم يصدق

ديوان أبي طالب (1) (ص 13) ، شرح ابن أبي الحديد (3 / 314) (2) .

قال ابن أبي الحديد في شرحه (3) (3 / 314) : قالوا : وقد اشتهر عن عبد الله المأمون رحمه الله أنه كان يقول : أسلم أبو طالب والله بقوله :

نصرت الرسول رسول المليك * ببــــيض تــــلألا كلمع البروق

أذب وأحمــــي رســــول الإلـه * حــــماية حــــام عـــليه شفيق

ومــــا إن أدت لأعــــدائــــــــه * دبيب البكار حذار الفـنيق (4)

ولكــــن أزيــــر لهــــم ســاميا * كما زار ليث بغــــيل مضيــق

وتوجد هذه الأبيات مع بيت زائد في ديوانه (5) (ص 24) .

ولسيدنا أبي طالب أبيات كتبها إلى النجاشي بعد ما خرج عمرو بن العاص إلى بلاد الحبشة ليكيد جعفر بن أبي طالب وأصحابه عند النجاشي . يحرض النجاشي على إكرام جعفر والإعراض عن ما يقوله عمرو (6) منها :

____________

(1) ديوان أبي طالب : ص 42 .

(2) شرح نهج البلاغة : 14 / 74 كتاب 9 .

(3) المصدر السابق .

(4) الفنيق : الفحل المكرم لا يؤذي ولا يركب لكرامته جمع فنق وأفناق . (المؤلف) .

(5) ديوان أبي طالب : ص 70 .

(6) ديوان أبي طالب ص 109 وهي مما استدركه محقق الديوان على جامعه .


( 13 )

 

ألا ليت شعري كيف في الناس جعفر * وعــــمرو وأعــــداء النـبي الأقارب

وهــــل نال إحــسان النجاشي جعفرا * وأصحابه أم عاق عن ذاك شاغـــب

تعــــلم أبيــــت اللعــن (1) أنك ماجد * كــــريم فــــلا يشـــقى إليك المجانب

ونعــــلم أن الله زادك بـــــســــطـــــة * وأسبــــاب خــــير كــــلها بــك لازب

تاريخ ابن كثير (2) (3 / 77) ، شرح ابن أبي الحديد (3/314) .

قال ابن أبي الحديد في شرحه (3) (3 / 315) : ومن شعره المشهور أيضا قوله يخاطب محمدا ، ويسكن جأشه ، ويأمره باظهار الدعوة :

لا يمنعــــنك من حــــق تقـوم به * أيد تصــــول ولا سلـق بأصوات

فإن كفك كفي إن بهم مليت (4) * ودون نفسك نفسي في الملمات

قال ابن هشام (5) : ولما خشي أبو طالب دهماء العرب أن يركبوه مع قومه قال قصيدته التي تعوذ فيها بحرم مكة وبمكانه منها ، وتودد فيها أشراف قومه وهو على ذلك يخبرهم وغيرهم في ذلك من شعره أنه غير مسلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا تاركه لشيء أبدا ، حتى يهلك دونه ، فقال أبو طالب :

خــليلي ما أذنــــي لأول عــــاذل * بصغواء في حق ولا عند باطل

ولمــــا رأيــــت القوم لاود فيهم * وقد قطعوا كل العرى والوسائل

وقــد صارحونا بالعداوة والأذى * وقد طاوعوا أمر العدو المزايل

____________

(1) أبيت اللعن ، كلمة كانت العرب تحيي بها ملوكها في الجاهلية ، معناها : أبيت أيها الملك أن تأتي بها تلعن عليه .

(2) البداية والنهاية : 3 / 97 .

(3) شرح نهج البلاغة : 14 / 77 كتاب 9 .

(4) في المصدر : إن بليت بهم .

(5) السيرة النبوية : 1 / 291 .


( 14 )

 

وقــــد حــــالفوا قـوما علينا أظـنة (1) * يعــــضون غــــيظا خلفــــنا بالأنامـــل

صبــــرت لهـــم نفسي بسمراء سمحة * وأبيض عضب من تراث المقاول (2) 

* * *

أعوذ برب النـــــاس مـــــن كل طاعن * عـــــلينا بســـــوء أو ملـــــح بــــباطل

ومـــــن كـــــاشح يســــعى لنا بمعيبة * ومن ملحـــــق فــي الدين ما لم نحاول

وثـــــور ومـــــن أرســـى ثبيرا مكانه * وراق ليـــــرقى فــي حراء ونازل (3)

وبالبـــــيت حــــق البيت من بطن مكة * وبـــــالله إن الله ليـــــس بــغـــــافـــــل

وبالحـــــجر المســـــود إذ يمسحـــونه * إذا اكتـــــنـــــفوه بالضـــحى والأصائل

* * *

كـــــذبتم وبـــــيت الله نـــــترك مــــكـــــة * ونظعـــــن إلا أمـــــركم فـــــي بـــــلابــل

كـــــذبتم وبـــــيت الله نـــــبزى محـــــمدا * ولمـــــا نطاعـــــن دونـــــه ونناضل (4)

ونسلمـــــه حـــــتى نـــــصرع حـــــولــه * ونـــــذهل عـــــن أبنـــــائنا والحـــــلائــل  

وينهـــــض قـــــوم بالحـــــديد إليـــــكـــم * نهوض الروايا تحت ذات الصلاصل (5)

وحـــــتى نـــــرى ذا الظغـن يركب ردعه * من الطعـــــن فعل الأنكب المتحامل (6)

وإنا لعـــــمــــر الله إن جـــــد مـــــا أرى * لتلتـــــبس أسيافـــــنــا بـــــالأمـــــاثـــــل

بكـــــفي فتـــــى مثـــــل الشـهاب سميدع * أخـــــي ثقـــــة حـــــامي الحقـــيقة باسل

____________

(1) أظنة : جمع ظنين : المتهم . (المؤلف) .

(2) سمراء سمحة : أراد بها قناة لينة تسمح بالانعطاف عند هزها . العضب : القاطع . المقاول : أراد بها السادات . (المؤلف) .

(3) نور وثبير وحراء : جبال في مكة . (المؤلف) .

(4) نبزى : تسلب .

(5) الروايا : الإبل التي تحمل الماء ، واحدتها : راوية . الصلاصل جمع الصلصلة : الصوت وذات الصلاصل : المزادات التي فيها بقية من الماء يسمع لها صوت حين تسير الإبل . (المؤلف) .

(6) يقال : ركب ردعه ، أي خر صريعا لوجهه . الأنكب : الذي يمشي على شق . (المؤلف) .


( 15 )

 

شهــــــورا وأيامـــــا وحولا مجرما (1) * عـــــلينا وتـــــأتي حجـــــة بعـــــد قـــــابل

ومـــــا تـــــرك قـــــوم ـ لا أبا لك ـ سيدا * يحـــــوط الذمار غـــــير ذرب مـواكل (2)

وأبـــــيض يستـــــسقى الغمام بوجــــهه * ثمـــــال اليـــــتامى عـــــصمة للأرامـــــل

يلـــــوذ بـــــه الهلاك مـــــن آل هــــاشم * فـــــهم عـــــنده فـــــي رحــــــمة وفواضل

* * * 

بميـــــزان قســـــط لا يخـــــيس شعـــيرة * لـــــه شـــــاهد مـن نفسه غير عائل (3)

لقـــــد سفهـــــت أحـــــلام قـــــوم تبـدلوا * بنـــــي خلـــــف قيـــضا بنا والغياطل (4)

ونحـــــن الصمـــــيم مـــــن ذؤابة هاشم * وآل قـــــصي فـــــي الخـــــطوب الأوائــل

وسهـــــم ومخـــــزوم تمـــــالوا وألـــبوا * عـــــلينا العـــدا من كل طمل وخامل (5)

فعـــــبد منـــــاف أمنـــــتم خـــــير قومكم * فـــــلا تشــركوا في أمركم كل واغل (6)

* * *

ألـــــم تعـــــلمـوا أن أبنـــــنا لا مكـــــذب * لـــــدينا لا نعـــــبا بقـــــول الأبـــــاطـــــل

أشـــــم مـــــن الشـــــم البهــــاليل ينتمي * إلى حـــــسب فـــــي حـومة المجد فاضل

لعـــــمري لقـــــد كلفـــــت وجــــدا بأحمد * وأحبـــــبته حـــــب الحبـــــيب المــواصل

____________

(1) حولا مجرما : أي مكملا . يقال : تجرمت السنة ، إذا كملت وانقضت . (المؤلف) .

(2) الذمار : ما يلزمك أن تحميه . ذرب : فاسد . مواكل : يتكل على غيره . (المؤلف) .

(3) لا يخيس من قولهم : خاس بالعهد إذا نقضه وأفسده ، ويروى لا يخس أي لا ينقص . عائل : جائر . (المؤلف) .

(4) قيضا بنا : عوضا منا تقول : قاضه بكذا أي عوضه به . الغيطلة : من بني مرة بن عبد مناة إخوة مدلج بن مرة وهي أم الغياطل ، فقيل لولدها : الغياطل وهم من بني سهم بن عمرو بن هصيص . ( المؤلف)

(5) الطمل : الرجل الفاحش لا يبالي ما صنع . اللئيم ، الأحمق ، اللص الفاسق . (المؤلف) .

(6) كل واغل : أراد كل ملصق ليس من صميم ، وأصل الواغل الداخل على القوم وهم يشربون من غير أن يدعى . (المؤلف) .


( 16 )

 

فــــــلا زال فــــــي الدنيا جــــمالا لأهلها * وزيــــــنا لمــــــن والاه رب المشــــــاكل

فأصبــــــح فيــــــنا أحــــــمد فــي أرومة * تقــــــصر عــــــنه ســــــورة المتــــطاول

حــــــدبت بنــــــفسي دونــــــه وحــــميته * ودافعــــــت عــــنه بالذرى والكلاكل (1)

فــــأيــــــده رب العــــــبـاد بنــــــصــــــره * وأظهــــــر ديــــــنا حقــــــه غـــــير باطل

هذه القصيدة ذكر منها ابن هشام في سيرته (2) (1 / 286 ـ 298) ، أربعة وتسعين بيتا وقال : هذا ما صح لي من هذه القصيدة . وذكر ابن كثير منها اثنين وتسعين بيتا في تاريخه (3) (3 / 53 ـ 57) ، وفي رواية ابن هشام ثلاثة أبيات لم توجد في تاريخ ابن كثير وقال (ص 57) قلت : هذه قصيدة عظيمة بليغة جدا لا يستطيع يقولها إلا من نسبت إليه ، وهي أفحل من المعلقات السبع ، وأبلغ في تأدية المعنى فيها جميعها ، وقد أوردها الأموي في مغازيه مطولة بزيادات أخر والله أعلم .

وذكرها أبو هفان العبدي في ديوان أبي طالب (4) (ص 2 ـ 12) في مائة وأحد عشر بيتا ولعلها تمام القصيدة .

وقال ابن أبي الحديد في شرحه (5) (3 / 315) بعد ذكر جملة من شعر أبي طالب : فكل هذه الأشعار قد جاءت مجيء التواتر ، لأنه إن لم تكن آحادها متواترة فمجموعها يدل على أمر واحد مشترك وهو تصديق محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ومجموعها متواتر كما أن كل واحدة من قتلات علي عليه السلام الفرسان منقولة آحادا ومجموعها متواتر يفيدنا

____________

(1) حديث عطفت ومنعت . الذرى جمع ذرة : أعلى ظهر البعير . الكلاكل جمع كلكل : معظم الصدر . ( المؤلف)

(2) السيرة النبوية : 1 / 291 ـ 299 .

(3) البداية والنهاية : 3 / 70 ـ 74 .

(4) ديوان أبي طالب : ص 21 ـ 38 .

(5) شرح نهج البلاغة : 14 / 78 كتاب 9 .


( 17 )

العلم الضروري بشجاعته ، وكذلك القول فيما روي من سخاء حاتم وحلم الأحنف ومعاوية وذكاء أياس وخلاعة أبي نواس وغير ذلك . قالوا : واتركوا هذا كله جانبا ، ما قولكم في القصيدة اللامية التي شهرتها كشهرة قفا نبك ؟ وإن جاز الشك فيها أو في شيء من أبياتها جاز الشك في قفا نبك وفي بعض أبياتها .

وقال القسطلاني في إرشاد الساري (1) (2 / 227) : قصيدة جليلة بليغة من بحر الطويل ، وعدة أبياتها مائة وعشرة أبيات ، قالها لما تمالأ قريش على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونفروا عنه من يريد الإسلام .

وذكر منها في المواهب اللدنية (2) (1 / 48) ، أبياتا فقال : هي أكثر من ثمانين بيتا قال ابن التين : إن في شعر أبي طالب هذا دليلا على أنه كان يعرف نبوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن يبعث لما أخبره به بحيرا وغيره من شأنه . وقال العيني في عمده القاري (3) : (3 / 434) قصيدة طنانة وهي مائة بيت وعشرة أبيات أولها :

خــــليلي مــــا أذني لأول عاذل * بصغواء في حق ولا عند باطل

وذكر منها البغدادي في خزانة الأدب (4) (1 / 252 ـ 261) اثنين وأربعين بيتا مع شرحها ، وقال : أولها :

خــــــليلي مـــــا أذني لأول عاذل * بصغــــواء في حق ولا عند باطل

خـــليلي إن الــرأي ليس بشركة * ولا نهنه عند الأمور البلابل (5)

____________

(1) إرشاد الساري : 3 / 26 .

(2) المواهب اللدنية : 1 / 185 .

(3) عمدة القاري : 7 / 30 .

(4) خزانة الأدب : 2 / 59 ـ 75 .

(5) النهنه : المضيء ، والنير الشفاف الذي يظهر الأشياء على جليتها . البلابل : جمع بلبلة أو بلبال ، وهما بمعنى الهم ووساوس الصدر .


( 18 )

 

ولمــــا رأيت القوم لاود عندهم * وقد قطعوا كل العرى والوسائل

وذكر الآلوسي عدة منها في بلوغ الأرب (1) (1 / 237) وذكر كلمة ابن كثير المذكور وقال : هي مذكورة مع شرحها في كتاب لب لباب لسان العرب .

وذكر منها السيد زيني دحلان أبياتا في السيرة النبوية هامش الحلبية (2) (1 / 88) فقال : قال الإمام عبد الواحد السفاسقي (3) في شرح البخاري : إن في شعر أبي طالب هذا دليلا على أنه كان يعرف نبوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن يبعث لما أخبره به بحيرا الراهب وغيره من شأنه ، مع ما شاهده من أحواله ، ومنها الاستسقاء به في صغره ومعرفة أبي طالب بنبوته صلى الله عليه وآله وسلم ، جاءت في كثير من الأخبار زيادة على أخذها من شعره .

قال الأميني : أنا لا أدري كيف تكون الشهادة والاعتراف بالنبوة إن لم يكن منها هذه الأساليب المتنوعة المذكورة في هذه الأشعار ؟ ولو وجد واحد منها في شعر أي أحد أو نثره لأصفق الكل على إسلامه ، لكن جميعها لا يدل على إسلام أبي طالب . فاعجب واعتبر !

هذه جملة من شعر أبي طالب عليه السلام الطافح من كل شطره الإيمان الخالص ، والإسلام الصحيح ، قال العلامة الأوحد ابن شهرآشوب المازندراني في كتابه متشابهات القرآن عند قوله تعالى : (ولينصرن الله من ينصره) (4) : إن أشعار أبي طالب الدالة على إيمانه تزيد على ثلاثة آلاف بيت يكاشف فيها من يكاشف النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويصحح نبوته . ثم ذكر جملة ضافية ومما ذكر له قوله في وصيته :

____________

(1) بلوغ الإرب : 1 / 326 .

(2) السيرة النبوية : 1 / 43 .

(3) هو ابن التين المذكور في كلام القسطلاني . (المؤلف) .

(4) الحج : 40 .


( 19 )

 

أوصــــــي بنصــــــر نـــبي الخير أربعة * إبنــــــي عــــــليا وشيــــخ القوم عباسا

وحمــــــزة الأســــــد الحــــامي حقيقته * وجعــــــفرا أن تــــــذودا دونـــــه الناسا

كــــــونوا فــــــداء لكـم أمي وما ولدت * في نصر أحمد دون الناس أتراســـا (1)

 

ـ 2 ـ

ما ناء به من عمل بار وقول مشكور

أما ما ناء به سيد الأباطح أبو طالب سلام الله عليه من عمل بار وسعي مشكور في نصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكلاءته والذب عنه والدعوة إليه وإلى دينه الحنيف منذ بدء البعثة إلى أن لفظ أبو طالب نفسه الأخير ، وقد تخلل ذلك جمل من القول كلها نصوص على إسلامه الصحيح ، وإيمانه الخالص ، وخضوعه للرسالة الإلهية ، فإلى الملتقى . روى القوم :

1 ـ قال ابن إسحاق : إن أبا طالب خرج في ركب إلى الشام تاجرا ، فلما تهيأ للرحيل وأجمع السير هب له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخذ بزمام ناقته وقال : يا عم إلى من تكلني لا أب لي ولا أم لي ؟ فرق له أبو طالب وقال : والله لأخرجن به معي ولا يفارقني ولا أفارقه أبدا . قال : فخرج به معه ، فلما نزل الركب بصرى من أرض الشام وتهيأ راهب يقال له بحيرا في صومعة له ، وكان أعلم أهل النصرانية ، ولم يزل في تلك الصومعة راهب إليه يصير علمهم من كتاب فيهم كما يزعمون يتوارثونه كائنا عن كائن ، فلما نزلوا ذلك العام ببحيرا وكانوا كثيرا ما يمرون عليه قبل ذلك فلا يكلمهم ولا يتعرض لهم ، حتى إذا كان ذلك العام نزلوا به قريبا من صومعته فصنع لهم طعاما كثيرا وذلك فيما يزعمون عن شيء رآه وهو في صومعته في الركب حين أقبلوا ، وغمامة تظله صلى الله عليه وآله وسلم من بين القوم . ثم أقبلوا حتى نزلوا بظل شجرة قريبا منه فنظر إلى الغمامة حتى أظلت الشجرة وتهصرت ، يعني تدلت أغصانها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى

____________

(1) في النسخة المطبوعة من متشابهات القرآن تصحيف وتحريف في الأبيات . راجع : 2 / 65 . (المؤلف) .


( 20 )

استظل تحتها ، فلما رأى بحيرا ذلك نزل من صومعته وقد أمر بذلك الطعام فصنع ، ثم أرسل إليهم فقال : إني قد صنعت لكم طعاما يا معشر قريش ، وأنا أحب أن تحضروا كلكم صغيركم وكبيركم وحركم وعبدكم ، فقال له رجل منهم : يا بحيرا إن لذلك اليوم لشأنا ما كنت تصنع هذا فيما مضى وقد كنا نمر بك كثيرا ، فما شأنك اليوم ؟ فقال له بحيرا : صدقت قد كان ما تقولون ، ولكنكم ضيوف فأحببت أن أكرمكم وأصنع لكم طعاما تأكلون منه كلكم ، فاجتمعوا إليه وتخلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من بين القوم لحداثة سنه في رحال القوم تحت الشجرة .

فلما نظر بحيرا في القوم لم ير الصفة التي يعرفها وهي موجودة عنده ، فقال : يا معشر قريش لا يتخلف أحد منكم عن طعامي هذا ، فقالوا : يا بحيرا ما تخلف عنك أحد ينبغي أن يأتيك إلا غلام هو أحدث القوم سنا تخلف في رحالهم ، قال : فلا تفعلوا ادعوه فليحضر هذا الطعام معكم ، فقال رجل من قريش: والات والعز أن لهذا اليوم نبأ. أيليق أن يتخلف ابن عبد الله عن الطعام من بيننا؟ ثم قام إليه فاحتضنه ثم أقبل به حتى أجلسه مع القوم. فلما رآه بحيرا جعل يلحظه لحظاً شديداً وينظر الى أشياء من جسده قد كان يجدها عنده في صفته حتى إذا فرغ القوم من الطعام وتفرقوا قام بحيرا فقال له: يا غلام أسألك باللات والعزى إلا أخبرتني عما اسألك عنه. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا تسلني باللات والعزى شيئاً قط، فقال بحيرا: فبالله إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه. فقال: سلني عما بدا لك. فجعل يسأله عن أشياء من نومه وهيئته وأموره ورسول الله يخبره فيوافق ذلك ما عند بحيرا من صفته، ثم نظر الى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته التي عنده. الحديث.

فقال ابو طالب في ذلك:

إن ابن آمنة النبي محمداً * عندي يفوق منازل الأولاد

 


( 21 )

 

لما تعــــلق بالــــزمام رحــــمـتـــــــه * والعــــيس قــــد قلصن (1) بالأزواد

فــــارفض مــــن عــــيني دمع ذارف * مثــــل الجــــمان مفــــرق الافــــراد

راعــــيت فيــــه قــــرابة مــــوصولة * وحفظــــت فــــيه وصيــــة الأجـــداد

وأمــــرته بالسيــــر بين عــــمومـــة * بــــيض الوجوه مصالت أنجـــاد (2)

ســــاروا لأبعــــد طيــة معــــلومــــة * فلقــــد تباعــــد طيــــة (3) المرتـــاد

حـــتــــى إذا ما القوم بصرى عاينوا * لا قوا على شرك من المرصاد (4 )

حبــــراً فأخــــبرهم حــــديثاً صـــادقاً * عــــنــــه ورد معــــاشر الحــــســــاد 

قــــوم يهــــود قــــد رأوا لمــــا رأى * ظــــل الغــــمام وعن ذي الأكباد (5)

ثــــاروا لقتــــل محــــمد فنــــهاهــــم * عــــنه وجاهــــد أحــــسن التجــــهاد 

فثــــنى زبــــيراً من بحــــيرا فانثــنى * فــــي القــــوم بعــد تجاولٍ وبعاد (6)

ونهــــى دريــــساً فانــــتهى عن قوله * حبــــر يوافــــق أمــــره بــــرشــــاد

وقال أيضاً:

ألم ترني من بعد هم هممته * بفرقة حر الولدين حرام (7)

____________

(1) قلص القوم: اجتمعوا فساروا. قلصت الناقة: استمرت في مضيها. تقلص: انضم وانزوى، تدانى. (المؤلف)

(2) مصالت: الماضي في الحوائج. الصلت الجبين: الواضح. نجد جمع النجد: الضابط للأمور يذلل المصاعب. الشجاع الماضي فيما يعجز غيره. سريع الإجابة إلى ما دعي إليه. (المؤلف)

(3) في الموضعين في رواية: طبة. بالموحدة مؤنث الطب بفتح الطاء. الناحية. (المؤلف)

(4) في الديوان: على شرف من المرصاد.

(5) وفي رواية:

قوم يهود قد رأوا ما قد رأوا * ظل الغـــمامة ناغري الأكباد

(المؤلف)

(6) كذا في تهذب تاريخ دمشق: 1 / 272، وفي الديوان: وثنى بحيراء زبيراً فانثنى…

(7) كذا في تهذيب تاريخ دمشق، وفي الديوان والروض الأنف: كرام، بدلاً من حرام.


( 22 )

 

بأحــــــمد لمــــا أن شددت مطيتي * برحلــــــي وقــــــد ودعــته بسلام

بكـــى حزناً والعيس قد فصلت بنا * وأخــــــذت بالكفــــــين فضل زمام

ذكــــــرت أبـــــاه ثم رقرقت عبرة * تجود من العينــــــين ذات سجــــام

فقـــلت: ترحل راشداً في عمومة * مواسير في البأساء غير لئــام(1)

فجـــاء مع العير التي راح ركبها * شــآمي الهوى والاصل غــير شآم

فلما هبطنا أرض بصرى تشرفوا * لنـــا فـــوق دور ينــــظرون جــسام

فـجــــــاء بحـــيرا عند ذلك حاشداً * لــــــنا بشــــــراب طيــــــب وطعـام

فقــــــال اجمعوا أصحابكم لطعامنا * فقــــــلنا جمعــــنا القوم غير غلام

يتيــــــم فقــــــال ادعوه إن طعامنا * كثــــــير عــــــليه اليوم غير حرام

فلــــــو لا الـــذي خبرتم عن محمد * لكنــــــتم لديـــــنا ا ليوم غير كرام

فلمــــــا رآه مقبــــــلاً نحـــــو داره * يوقــــــيه حـــر الشمس ظل غمام

حـــــنا رأسه شبه السجود وضمه * إلــــــى نحـــره والصدر أي ضمام

وأقبــــــل ركب يطـلبون الذي رأى * بحــــــيرا مــن الاعلام وسط خيام

فثــــــار اليهم خشيةً لعرامهم (2) * وكــــــانوا ذوي بغــــي لنا وعرام

دريس وتمــــام وقد كان فيهم (3) * زبــــــير وكــــــل القــوم غير نيام

فجــــــاؤوا وقـــد هموا بقتل محمد * فــــــردهم عــنـــــه بحسن خصام

بتأويلــــــه التــــــوراة حـتى تيقنوا * وقــــــال لهــــــم رمتـم أشد مرام

أتبغــــــون قتــــــلاً للنــــــبي محمد * خــــــصصتم على شؤم بطول أثام

وإن الــــــذي نخــــــتاره منـه مانع * سيكــــــفيه منــــــكم كـيد كل طغام

فــــــذلك مــــــن أعــــــلامه وبيانه * وليــــــس نهــــــار واضــح كظلام

____________

(1) في الديوان والروض الأنف، مواسين بدلاً من: مواسير.

(2) العرام: الشراسة والأذى. (المؤلف)

(3) دريس، وتمام، وزبير ـ في بعض النسخ: زدير. أحبار من اليهود. (المؤلف)


( 23 )

ديوان أبي طالب (1) (ص 33 ـ 35)، تاريخ ابن عساكر (2) (1 / 269 ـ 272)، الروض الأنف (3) (ا / 120).

وذكر السيوطي الحديث من طريق البيهقي في الخصائص الكبرى (4) (1 / 84) فقال في (ص 85): وقال أبو طالب في ذلك أبياتاً منها:

فما رجعوا حتى رأوا من محمد * أحاديـــث تجلو غــــم كــــل فواد

وحتــــــى رأوا أحبار كـل مدينة * سجــــــوداً لـه من عصبةٍ وفراد

زبــــيراً وتماماً وقد كان شاهداً * دريساً وهمــــــوا كـــــلهم بفساد

فـــــقال لهم قولاً بحيرا وأيقنوا * له بعـــــد تـــــكذيب وطــــول بعاد

كمــــا قال للرهط الذين تهودوا * وجـــــاهدهم فـــــي الله كل جهاد

فـــقال ولم يترك له النصح رده * فـــــإن لـــــه إرصــــاد كل مصاد

فإنـــــي أخــاف الحاسدين وإنه * لفـــــي الكتـــب مكتوب بكل مداد

استسقاء أبي طالب بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم:

أخرج ابن عساكر في تاريخه في تاريخه (5) عن جلهمة بن عرفطة قال: قدمت مكة وهم في قحط فقالت قريش: يا أبا طالب أقحط الوادي، وأجدب العيال، فهلم واستسق. فخرج أبو طالب ومعه غلام كأنه شمس دجن تجلت عنه سحابه قتماء وحوله أغيلمة، فأخذه أبو طالب فألصق ظهره بالكعبة، ولاذ بإصبعه الغلام، وما في السماء قزعة (6 )،

(1) ديوان أبي طالب: ص 89 ـ 90.

(2) تاريخ مدينة دمشق: 3 / 12 ـ 14.

(3) الروض الأنف: 2 / 227.

(4) الخصائص الكبرى: 1 / 144.

(5) مختصر تاريخ دمشق: 2 / 161 ـ 162.

(6) القزعة: القطعة من السحاب. (المؤلف)


( 24 )

فأقبل السحاب من هاهنا وهاهنا، واغدق وأغدودق، وانفجر له الوادي، وأخصب البادي والنادي، وفي ذلك قول أبو طالب:

وأبيض يستسقى الغمم بوجهه * ثمـــال اليتامى عصمة للأرامل

يلــــوذ به الهلاك من آل هاشمٍ * فهم عـــنــده في نعمة وفواضل

وميــزان عدل لا يخيس شعيرةً * ووزان صـــدق وزنه غير هائل

شرح البخاري للقسطلاني (2 / 227)، المواهب اللدنية (1 / 48)، الخصائص الكبرى (86 / 124)، شرح بهجة المحافل (1 / 119)، السيرة الحلبية (1 / 125)، السيرة النبوية لزيني دحلان هامش الحلبية (1 / 87)، طلبة الطالب (ص 42) (1 ).

    ذكر الشهرستاني في الملل والنحل (2) بهامش الفصل (3 / 225) سيدنا عبد المطلب وقال: ومما يدل علي معرفته بحال الرسالة وشرف النبوة أن أهل مكة لما أصابهم ذلك الجدب العظيم، وأمسك السحاب عنهم سنتين، أمر أبا طالب ابنه أن يحضر المصطفى عليه الصلاة والسلام وهو رضيع في قماط، فوضعه على يديه واستقبل الكعبة رماه إلى السماء وقال: يا رب بحق هذا الغلام. ورماه ثانياً وثالثاً وكان يقول: بحق هذا الغلام اسقنا غيثاً مغيثاً دائماً هاطلاً. أن يلبث ساعة طبق السحاب وجه السماء وأمطر حتى خافوا على المسجد، وأنشد أبو طالب ذلك الشعرالامي الذي منه:

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمــــال اليتامى عصمة للأرامل

ثم ذكر أبياتاً من القصيدة، ولا يخفى على الباحث أن القصيدة نظمها أبو طالب عليه السلام أيام كونه في الشعب كما مر.

____________

(1) إرشاد الساري: 3 / 27، المواهب اللدنية: 1 / 184، الخصائص الكبرى: 1 / 146، 208، السيرة الحلبية: 1 / 116، السيرة النبوية: 1 / 43.

(2) الملل والنحل: 2 / 249.


( 25 )

فاستسقاء عبد المطلب وابنه سيد الأبطح بالنبي الأعظم يوم كان صلى الله عليه وآله وسلم رضيعاً يافعاً يعرب عن توحيدهما الخالص، وإيمانهما بالله، وعرفانهما بالرسالة الخاتمة، وقداسة صاحبها من أول يومه، ولو لم‌‌‌‌‍‌ يكن لهما إلا هذان الموقفان لكفياهما، كما يكفيان الباحث عن دليل آخر على اعتناقهما الإيمان.

3 ـ أبو طالب في مولد أمير المؤمنين عليه السلام:

عن جابر بن عبد الله قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ميلاد علي بن أبي طالب فقال: «لقد سألتني عن خير مولود ولد في شبه المسيح عليه السلام، إن الله تبارك وتعالى خلق علياً من نوري وخلقني من نوره وكلانا من نور واحد، ثم إن الله عز وجل نقلنا من صلب آدم عليه السلام في أصلاب طاهرة إلى أرحام زكية، فما نقلت من صلب إلا ونقل علي معي، فلم نزل كذلك حتى استودعني خير رحم وهي آمنة. واستودع علياً خير رحم وهي فاطمة بنت أسد ». وكان في زماننا رجل زاهد عابد يقال له المبرم بن دعيب بن الشقبان قد عبد الله تعالى مائتين وسبعين سنة لم يسأل الله حاجة، فبعث الله إليه أبا طالب، فلما بصره المبرم قام إليه وقبل رأسه وأجلسه بين يديه ثم قال: من أنت؟ فقال: رجل من تهامة. فقال: من أي تهامة؟ فقال: من بني هاشم. فوثب العابد فقبل رأسه ثم قال: يا هذا إن العلي الأعلى ألهمني إلهاماً. قال أبو طالب: وما هو؟ قال: ولد يولد من ظهرك وهو ولي الله جل وعلى. فلما كان الليلة التي ولد فيها علي أشرقت الأرض، فخرج أبو طالب وهو يقول: أيها الناس ولد في الكعبة ولي الله، فلما أصبح دخل الكعبة وهو يقول:

يا رب هـــــذا الغـسق الدجي * والقمـــــر المنبلــج المضي

بيـــــن لنــا من أمرك الخفي * ماذا ترى في إسم ذا الصبي

قال: فسمع صوت هاتف يقول:


( 26 )

 

يا أهل بيت المصطفى النبي * خصـــــصتم بالـــوالد الزكي  

إن اسمــه من شامخ العلي * عـــــلـــي اشتــق من العلي

أخرجه الحافظ الكنجي الشافعي في كفاية الطالب (1) (ص 260) وقال: تفرد به مسلم بن خالد الزنجي وهو شيخ الشافعي، وتفرد به عن الزنجي عبد العزيز بن عبد الصمد وهو معروف عندنا.

4 ـ بدء أمر النبي وأبو طالب

أخرج فقيه الحنابلة إبراهيم بن علي بن محمد الدينوري في كتابه نهاية الطلب وغاية السؤول في مناقب آل الرسول (2) بإسناده عن طاووس عن ابن عباس في حديث طويل: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال للعباس رضى الله عنه إن الله قد أمرني بإظهار أمري وقد أنبأني واستنبأني فما عندك؟ فقال له العباس رضي الله عنه: يا بن أخي تعلم أن قريشاً أشد الناس حسداً لولد أبيك، وإن كانت هذه الخصلة كانت الطامة الطماء والداهية العظيمة ورمينا عن قوس واحد وانتسفونا نسفاً، صلتا (3) ولكن قرب إلى عمك أبي طالب فإنه كان أكبر أعمامك إن لا ينصرك لا يخذلك ولا يسلمك، فأتياه، فلما رآهما أبو طالب قال: إن لكما لظنة وخبراً، ما جاء بكما في هذا الوقت؟ فعرفه العباس ما قال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم وما أجابه به العباس، فنظر إليه أبو طالب وقال له: أخرج يا بن أخي فإنك الرفيع كعباً، والمنيع حزباً، والأعلى أباً، والله لا يسلقك لسان إلا سلقته ألسن حداد، واجتذبته سيوف حداد، والله لتذلن لك العرب ذل البهم لحاضنها، ولقد كان أبي يقرأ الكتاب جميعاً، ولقد قال: إن من صلبي لنبياً، لوددت أني أدركت ذلك

____________

(1) كفاية الطالب: ص 406.

(2) راجع الطرائف لسيدنا ابن طاووس: ص 85 (ص 302 ـ 303 ح 388)، وضياء العالمين لشيخنا أبي الحسن الشريف (المؤلف)

(3) الصلت: الشديد.


( 27 )

الزمان فآمنت به، فمن أدركه من ولدي فليؤمن به.

قال الأميني: أترى أن أبا طالب يروي ذلك عن أبيه مطمئناً به؟ وينشط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذا التنشيط لأول يومه، ويأمره بإشهار أمره والإشادة بذكر الله، وهو مخبت بأنه هو ذلك النبي الموعود بلسان أبيه والكتب السالفة، ويتكهن بخضوع العرب له، أتراه سلام الله عليه يأتي بهذه كلها ثم لا يؤمن به؟ إن هذا إلا اختلاف.

5 ـ أبو طالب وفقده النبي صلى الله عليه وآله وسلم

ذكر ابن سعد الواقدي في الطبقات الكبرى (1) (1 / 186) طبع مصر و (ص 135) طبع ليدن حديث ممشى قريش إلى أبي طالب في أمره صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن قال: فاشمأزوا ونفروا منها ـ يعني من مقالة محمد ـ وغضبوا وقاموا وهم يقولون: اصبروا على آلهتكم، إن هذا لشيء يراد، ويقال المتكلم بهذا عقبة بن أبي معيط. وقالوا: لا نعود إليه أبداً، وما خير من أن نغتال محمداً. فلما كان مساء تلك الليلة فقد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجاء أبو طالب وعمومته إلى منزله فلم يجدوه، فجمع فتياناً من بني هاشم وبني المطلب ثم قال: ليأخذ كل واحد منكم حديدة صارمة، ثم ليتبعني إذا دخلت المسجد، فلينظر كل فتى منكم فليجلس إلى عظيم من عظمائهم فيهم ابن الحنظلية ـ يعني أبا جهل ـ فإنه لم يغب عن شر إن كان محمد قد قتل، فقال الفتيان: نفعل، فجاء زيد بن حارثة فوجد أبا طالب على تلك الحال؛ فقال: يا زيد أحسست ابن أخي؟ قال: نعم كنت معه آنفاً. فقال أبو طالب: لا أدخل بيتي أبداً حتى أراه ؛ فخرج زيد سريعاً حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو في بيت عند الصفا ومعه اصحابه يتحدثون فأخبر الخبر فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله إلى بي طالب، فقال: يا بن أخي أين كنت؟ أكنت في خير؟ قال: نعم. قال: ادخل بيتك، فدخل

____________

(1) الطبقات الكبرى: 1 / 202 ـ 203.


( 28 )

رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فلما أصبح أبو طالب غدا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأخذ بيده فوقف به على أندية قريش ومعه الفتيان الهاشميون والمطلبيون فقال: يا معشر قريش هل تدرون ما هممت به؟ قالوا: لا. فأخبرهم الخبر، وقال للفتيان: اكشفوا عما في أيديكم فكشفوا، فإذا كل رجل منهم معه حديدة صارمة فقال: والله لو قتلتموه ما بقيت منكم أحداً. حتى نتفانى نحو وأنتم، فانكسر القوم وكان أشدهم انكساراً أبو جهل.

لفظ آخر :

وأخرج الفقيه الحنبلي إبراهيم بن علي بن محمد الدينوري في كتابه نهاية الطلب (1) بإسناده عن عبد الله بن المغيرة بن معقب، قال: فقد أبو طالب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فظن أن بعض قريش اغتاله فقتله، فبعث إلى بني هاشم فقال: يا بني هاشم أظن أن بعض قريش اغتال محمداً فقتله، فليأخذ كل واحد منكم حديدة صارمة وليجلس إلى جنب عظيم من عظماء قريش، فإذا قلت: أبغي محمداً. قتل كل منكم الرجل الذي إلى جانبه. وبلغ رسول الله جمع أبي طالب وهو في بيت عند الصفا، فأتى أبا طالب وهو في المسجد، فلما رآه أبو طالب أخذ بيده ثم قال: يا معشر قريش، فقدت محمداً فظننت أن بعظكم أغتاله فأمرت كل فتى شهد من بني هاشم أن يخذ حديدةً ويجلس كل واحد منهم إلى عظيم منكم، فإذا قلت: أبغي محمداً قتل كل واحد منهم الرجل الذي إلى جنبه، فاكشفوا عما في أيديكما يا بني هاشم فكشف بنو هاشم عما في أيديهم فنظرت قريش إلى ذلك فعندها هابت قريش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم أنشأ أبو طالب:

ألا أبلغ قريشاً حيث حلت * وكـــل سرائر منها غرور

____________

(1) راجع الطرائف لسيدنا ابن طاووس: ص 85 (ص 303 ح 389). (المؤلف)


( 29 )

 

فإنـــــي والضــوابح عاديات (1) * وما تـــــتلو السفـاسرة الشهور

لآل محـــــمد راعٍ حـــــفـــــيـــــظ * وود الصـــــدر منــــي والضمير

فلســـــت بقاطـــع رحمي وولدي * ولـــــو جـــرت مظالمها الجزور

أيـــــأمر جـــــمعهم أبــــناء فهر * بقتـــــل محـــــمد والأمـــــر زور

فـــــلا وأبيك لا ظـــــفرت قريش * ولا أمـــــت رشـــــاداً إذ تشيـــــر

بنـــــي أخـــــي ونوط القلب مني * وأبـــــيض مـــــاؤه غـــــدق كثير

ويشـــــرب بعـــــده الــولدان رياً * وأحمـــــد قـــــد تضمنــــه القبور

أيا بن الأنف أنف بني قصي (3) * كأن جبـــــينك القـــــمر المنــــير

لفت نظر:

قال شيخنا العلامة المجلسي في البحار (4) (9 / 31): روى جامع الديوان ـ يعني ديوان أبي طالب ـ نحو هذا الخبر مرسلاً ثم ذكر الأشعار هكذا…

فذكر الأشعار وفيها زيادة عشرين بيتاً على ما ذكر، وهي لا توجد في الديوان المطبوع لسيدنا أبي طالب.

لفظ ثالث:

وقال السيد فخار بن معد في كتابه الحجة (5) (ص 61): وأخبرني الشيخ الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن بن محمد ابن الجوزي المحدث البغدادي ـ وكان ممن يرى كفر أبي طالب ويعتقده ـ بواسط العراق سنة إحدى وتسعين وخمسمائة بإسناد له إلى الواقدي،

____________

(1) في تاج العروس: 3 / 272: فإني والسوابح كل يوم. وفي ص 320: فإني والضوابح كل يوم. (المؤلف)

(2) السفاسرة: أصحاب الأسفار وهي الكتب. الشهور: العلماء جمع الشهر. كذا فسر البيت كما في تاج العروس: 3 / 272ن 320. (المؤلف)

(3) الأنف: السيد. (المؤلف)

(4) بحار الأنوار: 35: 149 ح 85.

(5) الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب: ص 254.


( 30 )

قال: كان أبو طالب بن عبد المطلب لا يغيب صباح النبي ولا مساءه، ويحرسه من أعدائه ويخاف أن يغتالوه فلما كان ذات يوم فقده فلم يره وجاء المساء فلم يره وأصبح الصباح فطلبه في مظانه فلم يجده فلزم أحشاءه وقال: واولداه، وجمع عبيده ومن يلزمه في نفسه فقال لهم: إن محمداً قد فقدته في أمسنا ويومنا هذا ولا أظن إلا أن قريشاً قد اغتالته وكادته وقد بقي هذا الوجه ما جئته، وبعيد أن يكون فيه واختار من عبيده عشرين رجلاً، فقال: امضوا وأعدوا سكاكين وليمض كل رجل منكم وليجلس إلى جنب سيد من سادات قريش، فان أتيت ومحمد معي فلا تحدثن أمراً وكونوا على رسلكم حتى أقف عليكم، وإن جئت وما محمد معي فليضرب كل منكم الرجل الذي إلى جانبه من سادات قريش. فمضوا وشحذوا سكاكينهم حتى رضوها، ومضى أبو طالب في الوجه الذي أراده ومعه رهطه من قومه فوجده في أسفل مكة قائماً يصلى إلى جنب صخرة فوقع عليه وقبله وأخذ بيده وقال: يا بن أخ قد كدت أن تأتي على قومك، سر معي، فأخذ بيده وجاء إلى المسجد وقريش في ناديهم جلوس عند الكعبة، فلما رأوه قد جاء ويده في يد النبي صلى الله عليه وآله وسلم قالوا: هذا أبو طالب قد جاءكم بمحمد إن له لشأناً، فلما وقف عليهم والغضب في وجهه قال لعبيده: أبرزوا ما في أيديكم فأبرز كل واحد منهم ما في يده. فلما رأوا السكاكين قالوا: ما هذا يا أبا طالب؟ قال: ما ترون؛ إني طلبت محمداً فلم أره منذ يومين فخفت أن تكونوا كدتموه ببعض شأنكم، فأمرت هؤلاء أن يجلسوا حيث ترون وقلت لهم: إن جئت وليس محمد معي فليضرب كل منكم صاحبه الذي إلى جنبه ولا يستأذني فيه، ولو كان هاشمياً، فقالوا: وهل كنت فاعلاً؟ فقال: أي ورب هذه وأومى إلى الكعبة، فقال له المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف وكان من أحلافه: لقد كدت تأتي على قومك؟ قال هو ذلك. ومضى به وهو يقول:

إذهب بني فما عليك غضاضة * إذهــــب وقر بذاك منك عيونا

 


( 31 )

 

والله لــن يصلوا إليك بجمعهم * حتـــــى أوسـد في التراب دفينا

ودعوتني وعملت أنك ناصحي * ولقـــــد صدقت وكنت قبل أمينا

 وذكـــــرت ديـــناً لا محالة أنه * من خير أديان البرية دينا (1)

فرجعت قريش على أبي طالب بالعتب والاستعطاف وهو لا يحفل بهم ولا يلتفت إليهم.

قال الأميني: هذا شيخ الأبطح يروقه أن يضحي كل قومه دون نبي الإسلام وقد تأهب لأن يطأ القوميات كلها والأواصر المتشجة بينه وبين قريش بأخمص الدين، فحياها الله من عاطفة إلهية، وآصرة دينية هي فوق أواصر الرحم.

6 ـ أبو طالب في بدء الدعوة:

لما نزلت: (وأنذر عشيرتك الأقربين) (2 ). خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فصعد على الصفا فهتف: يا صباحاه. فاجتمعوا إليه، فقال: "أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً تخرج بسفح الجبل أكنتم مصدقي؟" قالوا: نعم ما جربنا عليك كذباً. قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد". فقال أبو لهب: تباً لك، أما جمعتنا إلا لهذا؟ ثم أحضر قومه في داره، فبادره وقال: هؤلاء هم عمومتك وبنو عمك فتكلم ودع الصبأة (3) واعلم أنه ليس لقومك بالعرب قاطبة طاقة، وأن أحق من أخذك فحبسك بنو أبيك، وإن أقمت ما أنت عليه فهو أيسر عليهم من أن ينب لك بطون قريش، وتمدهم العرب، فما رأيت أحداً جاء على بني أبيه بشر مما جئتهم به. فسكت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يتكلم.

____________

(1) راجع ما اسلفناه: ص 334. (المؤلف)

(2) مر حديثها في الجزء الثاني: ص 278. (المؤلف)

(3) الصبأ: الخروج من دين إلى دين آخر. (المؤلف)


( 32 )

ثم دعاهم ثانية وقال: «الحمد لله أحمده وأستعينه وأؤمن به وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إلا الله وحده لا شريك له. ثم قال: إن الرائد لا يكذب أهله، والله الذي لا إله إل هو إني رسول الله إليكم خاصة وإلى الناس عامة، والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، وإنما الجنة أبداً والنار أبداً».

فقال أبو طالب: ما أحب إلينا معاونتك، وأقبلنا لنصيحتك، وأشد تصديقنا لحديثك، وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون وإنما أنا أحدهم غير أني أسرعهم إلى ما تحب، فامض لما أمرت به، فوالله لا أزال أحوطك وأمنعك، غير أن نفسي لا تطاوعني على فراق دين عبد المطلب( 1 ).

قال الأميني: لم يكن دين عبد المطلب سلام الله عليه إلا دين التوحيد والإيمان بالله ورسله وكتبه غير مشوب بشيء من الوثنية، وهو الذي كان يقول في وصياه: إنه لن يخرج من الدنيا ظلوم حتى ينتقم منه وتصيبه عقوبة. إلى أن هلك ظلوم لم تصبه عقوبة. فقيل له في ذلك، ففكر في ذلك، فقال: والله إن وراء هذه الدار داراً يجزى فيها المحسن بإحسانه، ويعاقب المسيء باساته، وهو الذي قال لأبرهة: إن لهذ البيت رباً يدب عنه ويحفظه، وقال وقد صعد ابا قبيس:

لاهـــــم إن المــرء يمـ * ـنع حله فامنــع حلالك

لا يغـــــلبن صليـــــبهم * ومحالهم عـدوا محالك

فأنصر على آل الصليـ * ـب وعـابديـه اليوم آلك

إن كنــت تاركهم وكعـ * ـبتنا فمر ما بدا لك (2)

____________

(1) الكامل لابن الأثير: 2 / 24 (1 / 486). (المؤلف)

(2) الملل والنحل للشهرستاني هامش الفصل: 3 / 224 (2 / 249)، الدرج المنيفة للسيوطي: ص 15 مسالك الحنفاء: ص 37. (المؤلف)


( 33 )

ويعرب عن تقدمه في الإيمان الخالص والتوحيد الصحيح انتماء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إليه ومباهاته به يوم حنين بقوله:

أنـــــا النـــــبي لا كــــذب * أنا ابن عبد المطلب (1)

وقد أجاد الحافظ شمس الدين بن ناصر الدين الدمشقي في قوله:

تنقل أحمد نوراً عظيماً تلالا * في جـــــباه الساجـــــديـــــنا

تقـــــلب فيـــــهم قـرناً فقرناً * إلى أن جاء خير المرسلينا

وهذا هو الذي أراده أبو طالب ـ سلام الله عليه ـ بقوله: نفسي لا تطاوعني على فراق دين عبد المطلب. وهو صريح بقية كلامه، وقد أراد بهذا السياق التعمية عل الحضور لئلا يناصبوه العداء بمفارقتهم، وهذا السياق من الكلام من سنن العرب في محوراتهم، قد يريدون به التعمية، وقد يراد به التأكيد للمعنى المقصود كقول الشاعر:

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم * بهـــــن فلول من قراع الكتائب

ولو لم يكن لسيدنا أبي طلب إلا موقفه هذا لكفى بمفرده في إيمانه الثابت، وإسلامه القويم، وثباته في المبدأ.

قال ابن الثير (3 ): فقال أبو لهب: هذه والله السوء (4 )، خذوا على يديه قبل أن يأخذ غيركم، فقال أبو طالب: والله لنمنعنه ما بقينا. وفي السيرة الحلبية (5) (1 / 304): إن الدعوة كانت في دار أبي طالب.

____________

(1) طبقات ابن سعد طبع مصر رقم التسلسل ص 665 (2 / 151)، تاريخ الطبري: (3 / 76 حوادث سنة 8هـ). (المؤلف)

(2) مسالك الحنفاء للسيوطي: ص 40، الدرج المنيفة ص 14. (المؤلف)

(3) الكامل في التاريخ: 1 / 487.

(4) في المصدر: السوأة.

(5) السيرة الحلبية: 1 / 285.


( 34 )

قال عقيل بن أبي طالب: جاءت قريش إلى أبي طالب فقالوا: إن ابن أخيك يؤذينا في نادينا وفي كعبتنا وفي ديارنا ويسمعنا ما نكره، فإن رأيت أن تكفه عنا فافعل. فقال لي: يا عقيل التمس لي أبن عمك. فأخرجته من كبس (1) من كباس أبي طالب. فجاء يمشي معي يطلب الفيء يطأ فيه لا يقدر عليه، حتى انتهى الى أبي طالب فقال: يا بن أخي والله لقد كنت لي مطيعاً جاء قومك يزعمون أنك تأتيهم في كعبتهم وفي ناديهم فتؤذيهم وتسمعهم ما يكرهون، فإن رأيت أن تكف عنهم. فحلق بصره إلى السماء وقال: والله ما أنا بقادر أن أرد ما بعثني به ربي، ولو أن يشعل أحدهم من هذه الشمس نارً. فقال أبو طالب: والله ما كذب قط، فارجعوا راشدين.

قال الأميني: هكذا أخرجه البخاري في تاريخه (2) بإسناد رجاله كلهم ثقات، وبهذا اللفظ ذكره المحب الطبري في ذخائر العقبى (ص 223). غير أن ابن كثير لما رأى لكلمة: راشدين. قيمة في إيمان بي طالب حذفها في تاريخه (3) (3 / 42). حيا الله الأمانة!

وأخرج ابن سعد في الطبقات الكبرى (4) (1 / 171) حديث الدعوة عن علي وفيه: «ثم قال لهم صلى الله عليه وآله وسلم: من يؤازرني على ما أنا عليه ويجيبني على أن يكون أخي وله الجنة؟ فقلت: أنا يا رسول الله، وإني لأحدثهم سناً، وأحمشهم ساقاً. وسكت القوم، ثم قالوا: يا أبا طالب الا ترى ابنك؟ قال: دعوه فلن يألو (5) ابن عمه خيرا».

وروى أبو عمرو الزاهد الطبري عن تغلب عن ابن الأعرابي انه قال في لغة ـ العور ـ إنه الردي من كل شيء قال: ومن العور ما في رواية ابن عباس. ثم ذكر

____________

(1) الكبس : البيت الصغير . (2) التاريخ الكبير : 7 / 50 رقم 230 . (3) البداية والنهاية : 3 / 55 . (4) الطبقات الكبرى : 1 / 187 . (5) يألو : يقصر . (المؤلف) .


( 35 )

حديث علي عليه السلام بطوله إلى أن قال: قال «فلما أراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يتكلم اعترضه أبو لهب، فتكلم بكلمات وقال: قوموا. فقاموا وانصرفوا. قال: فلما كان من الغد أمرني فصنعت مثل ذلك الطعام والشراب ودعوتهم فأقبلوا ودخلوا فأكلوا وشربوا، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليتكلم فاعترضه أبو لهب فقال له ابو طالب: اسكت يا أعور ما أنت وهذا؟ ثم قال: لا يقومن أحد. قال: فجلسوا ثم قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: قم يا سيدي فتكلم بما تحب وبلغ رسالة ربك فإنك الصادق المصدق».

وإلى هذا الحديث وكلمة أبي طالب ـ اسكت يا أعور ما أنت وهذا؟ ـ وقع الإيعاز في النهاية لابن الأثير( 1) (3 / 156), والفائق للزمخشري (2) (2 / 98) نقلاً عن ابن الأعرابي، وفي لسان العرب (3) (6 / 294)، تاج العروس (3 / 428).

قال الأميني: اي كافر طاهر هذا سلام الله عليه وهو يدافع عن الإسلام المقدس بكل حوله وطوله، ويسلق رجال قومه بلسان حديد، ويحض النبي الأعظم على الدعوة وتبليغ رسالته عن ربه، ويراه الصادق المصدق؟.

7 ـ قول أبي طالب لعلي: إلزم ابن عمك:

قال ابن إسحاق: ذكر بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة وخرج معه علي بن أبي طالب مستخفياً من أبيه أبي طالب ومن جميع أعمامه وسائر قومه، فيصليان الصلوات فيها، فاذا أمسيا رجعا فمكثا كذلك ما شاء الله أن يمكثا، ثم إن با طالب عثر عليهما يوماً وهما يصليان، فقال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا بن أخي ما هذا الدين الذي أراك تدين به؟ قال: «اي عم هذا

____________

(1) النهاية: 3 / 319.

(2) الفائق: 3 / 37.

(3) لسان العرب: 9 / 469.


( 36 )

دين الله ودين ملائكته ودين رسله ودين أبينا إبراهيم».

وذكروا أنه قال لعلي: اي بني ما هذا الدين الذي أنت عليه؟ فقال: «يا أبت آمنت بالله وبرسول الله وصدقته بما جاء به، وصليت معه لله واتبعته» فزعموا أنه قال له: أما إنه لم يدعك إلا إلى خير، فالزمه. وفي لفظ عن علي: إنه لما أسلم قال له أبو طالب: إلزم ابن عمك. سيرة ابن هشام (1 / 265)، تاريخ الطبري (2 / 214)، تفسير الثعلبي، عيون الأثر (1 / 94) الإصابة (4 / 116)، أسنى المطالب (ص 10) (1 ).

وفي شرح ابن أبي الحديد (2) (3 / 314): روي عن علي قال: قال أبي: يا بني إلزم ابن عمك فإنك تسلم به من كل بأس عاجل وآجل. ثم قال لي:

إن الوثيقة في لزوم محمدٍ * فاشدد بصحبته على أيديكا

فقال: ومن شعره المناسب لهذا قوله:

إن عـــــليـــــاً وجعـفراً ثقتي * عـــــنـد ملم الزمان والنوب

لا تخذلا وانصرا ابن عمكما * أخـــي لأمي من بينهم وأبي

والله لا أخـــــذل النــــبي ولا * يخـــــذله مـن بني ذو حسب

وهذه الأبيات الثلاثة توجد في ديوان أبي طالب (3) أيضاً (ص 36) وذكرها العسكري كتاب الأوائل (4) قال: إن أبا طالب مر بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ومعه جعفر فرأى

____________

(1) السيرة النبوية: 1 / 263، تاريخ الأمم والملوك: 2 / 313، عيون الأثر: 1 / 125، أسنى المطالب: ص 17.

(2) شرح نهج البلاغة: 14 / 75 كتاب 9.

(3) ديوان أبي طالب: ص 94 ـ 95.

(4) الأوائل: ص 75.


( 37 )

رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي وعلي معه، فقال لجعفر: يا بني صل جناح ابن عمك. فقام إلى جنب علي، فأحس النبي فتقدمهما، وأقبلوا على أمرهم حتى فرغوا، فانصرف أبو طالب مسروراً وأنشأ يقول:

إن عــــلياً وجعفراً ثقتي * عن ملم الزمان والنوب

وذكر أبياتاً يذكرها ابن أبي الحديد ومنها:

نحـــــن وهـــــذا النبي ننصره * نضرب عنه الأعداء كالشهب

وأخرج أبو بكر الشيرازي في تفسيره: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما أنزل عليه الوحي أتى المسجد الحرام وقام يصلي فيه، فاجتاز به علي عليه السلام وكان ابن تسع سنين فناداه: يا علي إلي أقبل. فأقبل إليه ملبياً فقال له النبي: «إني رسول الله إليك خاصة وإلى الخلق عامة فقف عن يميني وصل معي». فقال: «يا رسول الله حتى أمضي وأستأذن أبا طالب والدي»؛ فقل له: «اذهب فإنه سيأذن لك»، فانطلق إليه يستأذنه في اتباعه، فقال: يا ولدي تعلم ان محمداً أمين الله منذ كان، إمض إليه وأتبعه ترشد وتفلح. فأتى علي عليه السلام ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قائم يصلي في المسجد، فقام عن يمينه يصلي معه، فاجتاز أبو طالب بهما وهما يصليان فقال: يا محمد ما تصنع؟ قال: «أعبد إله السموات والأرض ومعي أخي علي يعبد ما أعبد وأنا ادعوك إلى عبادة الواحد القهار» فضحك أبو طالب حتى بدت نواجده وأنشأ يقول:

والله لن يصلوا إليك بجمعهم * حـــتى أغيب في التراب دفينا

إلى آخر الأبيات التي أسلفناها (ص 334). 8 ـ قول أبي طالب: صل جناح ابن عمك:

أخرج ابن الأثير: أن أبا طالب رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلياً يصليان وعلي على


( 38 )

يمينه، فقال لجعفر رضي الله تعالى عنه: صل جناح ابن عمك، وصل عن يساره، وكان إسلام جعفر بعد إسلام أخيه علي بقليل. وقال أبو طالب:

فصــــبراً أبا يعلى على دين أحمد * وكـن مظهراً للدين وفقت صابرا

وحط من أتى بالحق من عند ربه * بصــدق وعزم لا تكن حمز كافرا

فقـــــد ســرني إذ قلت إنك مؤمن * فكـــن لرسول الله في الله ناصرا

وبـــــاد قـــــريشاً بالــذي قد أتيته * جـهاراً وقل ما كان أحمد ساحرا

أسد الغابة (1) (1 / 287)، شرح ابن أبي الحديد (2) (3 / 315)، الإصابة (4 / 116)، السيرة الحلبية (3) (1 / 286)، أسنى المطالب (4) (ص 6) وقال: قال البرزنجي: تواترت الأخبار أن أبا طالب كان يحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويحوطه وينصره ويعينه على تبليغ دينه ويصدقه فيما يقوله؛ ويأمر أولاده كجعفر وعلى باتباعه ونصرته.

وقال في (ص10): قال البرزنجي: هذه الأخبار كلها صريحة في أن قلبه طافح وممتلئ بالإيمان بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم. 9 ـ أبو طالب وحنوه على النبي صلى الله عليه وآله وسلم:

قال أبو جعفر محمد بن حبيب رحمه الله في أماليه: كان أبو طالب إذا رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحيناً يبكي وبقول: إذا رأيته ذكرت أخي، وكان عبد الله أخاه لابويه، وكان شديد الحب والحنو عليه، وكذلك كان عبد المطلب شديد الحب له، وكان أبو طالب كثيراً ما يخاف على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم البيات إذا عرف مضجعه، فكان يقيمه ليلاً من

____________

(1) أسد الغابة: 1 / 341 رقم 759.

(2) شرح نهج البلاغة: 14 / 76 كتاب 9.

(3) السيرة الحلبية: 1 / 269.

(4) أسنى المطالب: ص 10 و 17.


( 39 )

منامه ويضجع ابنه علياً مكانه، فقال له علي ليلة: «يا أبت إني مقتول»، فقال له:

أصبـــــرن يا بــــني فالصبر أحجى * كـــــل حـــــي مصيـــــره لشعــــوب

قـــــد بذلنـــــاك والبلاء شـــــديــــد * لفـــــداء لحبـــــيب وأبــــن الحبيب

لفـــــداء الأغـــــر ذي الحـسب الثا * قـــــب والبـــــاع والكــريم النجيب

إن تصبك المنون فالنبل تبرى (1) * فمصيـــــب منـــــها وغــير مصيب

كـــــل حـــــي وإن تـملى بعمر (2) * آخـــــذ من مـــــذاقها بنــصــيـــــب

فأجاب علي بقوله:

أتأمرني بالصبــــر في نصر أحمد * ووالله ما قلـــت الذي قلت جازعا

ولكنــــني أحببت أن ترى نصرتي * وتعـــــلم أنـــــي لم أزل لك طائعا

سأسعى لوجه الله في نصر أحمد * نبي الهــدى المحمود طفلاً ويافعا

وذكره ابن أبي الحديد (3) نقلاً عن الأمالي (3 / 310) وهناك تصحيف في البيت الثاني والثالث من أبيات أبي طالب صححناه من طبقات السيد على خان الناقل عن شرح ابن أبي الحديد المخطوط، وذكر القصة أبو علي الموضح العمري العلوي كما في كتابه الحجة (4) (ص 69).

قل الأميني: إن القرابة والرحم تبعثان إلى المحاماة إلى حد محدود، لكنه إذا بلغت حد التضحية بولد كأمير المؤمنين هو أحب العالمين إلى والده، فهناك يقف التفاني

____________

(1) في بعض المصادر : تترى (المؤلف) .

(2) في المصادر مخطوطة عتيقة : كل حي وإن تطاول عمرا . (المؤلف)

(3) شرح نهج البلاغة : 14 / 64 كتاب 9 .

(4) الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب : ص 275 .


( 40 )

على موقفه، فلا يستسهل الوالد أن يعرض ابنه على القتل كل ليلة فينيمه على فراش المفدى، ويستعوض منه ابن أخية، إلا أن يكون مندفعاً إلى ذلك بدافع ديني وهو معنى اعتناق أبي طالب للدين الحنيف، وهو الذي الذي تعطيه المحاورة الشعرية بين الوالد والولد فترى الولد يصارح بالنبوة، فلا ينكر عليه الوالد بأن هذا التهالك ليس إلا بدافع قومي، غير فاتر عن حض ابنه على ما يبتغيه من النصرة ولا متثبط عن النهوض بها. فسلام الله على والد وما ولد. 10 ـ أبو طالب وابن الزبعرى:

قال القرطبي في تفسيره (1) (ص 406): روى أهل السير قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد خرج إلى الكعبة يوماً وأراد أن يصلي، فلما دخل في الصلاة قال أبو جهل لعنه الله: من يقوم إلى هذا الرجل فيفسد عليه صلته؟ فقام ابن الزبعرى فأخذ فرثاً ودماً فلطخ به وجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فانفتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم من صلاته، ثم أتى أبا طالب عمه فقال: «يا عم ألا ترى إلى ما فعل بي؟» فقال أبو طالب: من فعل هذا بك؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «عبد الله بن الزبعرى». فقام أبو طالب ووضع سيفه على عاتقة ومشى معه حتى أتى القوم، فلما رأوا أبا طالب قد أقبل جعل القوم ينهضون؛ فقال أبو طالب: والله لئن قام رجل لجللته بسيفي فقعدوا حتى دنا إليهم، فقال: يا بني من الفاعل بك هذا؟ فقال: «عبد الله بن الزبعرى»؛ فأخذ أبو أبو طالب فرثاً ودماً فلطخ به وجوههم ولحاهم وثيابهم، وأساء لهم القول.

حديث موقف أبي طالب هذا يوجد في غير واحد من كتب القوم وقد لعبت به أيدي الهوى، وسنوقفك إن شاء الله على حق القول فيه تحت عنوان: أبو طالب في الذكر الحكيم( 2 ).

____________

(1) الجامع لأحكام القرآن: 6 / 216.

(2) الغدير: 8 / 11 ـ 36.


( 41 )

11 ـ سيدنا أبو طالب وقريش:

قال أبن إسحاق: لما بادى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قومه بالإسلام، وصدع به كما أمره الله لم يبعد منه قومه ولم يردوا عليه، فيما بلغني، حتى ذكر آلهتهم وعابها. فلما فعل ذلك أعظموه وناكروه، وأجمعوا خلافه وعداوته، إلا من عصم الله تعالى منهم بالإسلام وهم قليل مستخفون، وحدب (1) على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عمه أبو طالب ومنعه وقام دونه، ومضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أمر الله مظهراً لأمره، لا يرده عنه شيء.

وقال: إن قريشاً حين قالوا لأبي طالب هذه المقالة بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال له: يابن اخي إن قومك جاؤوني فقالوا لي كذا وكذا، فأبق علي وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق، قال: فظن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نه قد بدا لعمه فيه بداء، وأنه خاذله ومسلمه، وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر أو يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته». قال: ثم استعبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فبكى ثم قام، فلما ولى ناداه أبو طالب، فقال: أقبل يا بن أخي. قال: فاقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إذهب يا بن أخي فقل ماأحببت فوالله لا أسلمك لشيء أبداً.

ثم إن قريشاً حين عرفوا أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإسلامه وإجماعه لفراقهم في ذلك وعداوتهم مشوا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة، فقالوا له: يا با ابا طالب هذا عمارة بن الوليد أنهد فتى في قريش وأجمله، فخذه فلك عقله ونصره، واتخذه ولداً فهو لك، وأسلم إلينا ابن أخيك، هذا الذي قد خالفك دينك ودين آبائك

____________

(1) حدب: عطف عليه ومنع له. (المؤلف)


( 42 )

وفرق جماعة قومك، وسفه أحلامهم، فنقتله، فإنم هو رجل برجل، قال: والله لبئس ما تسومونني؛ أتعطونني ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه؟ هذا والله ما لا يكون أبدا. قال: فقال المطعم بن عدي بن نوفل: والله يا أبا طالب لقد أنصفك قومك وجهدوا على التخلص مما تكرهه، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئاً، فقال أبو طالب لمطعم: والله ما أنصفوني، ولكنك قد أجمعت خذلاني ومظاهرة القوم علي فاصنع ما بدا لك أو كما قال.

قال: فحقب الأمر، وحميت الحرب، وتنابذ القوم، وبادى بعضهم بعضاً، فقال أبو طالب عند ذلك يعرض بالمطعم بن عدي ويعم من خذله من عبد مناف ومن عاداه من قبائل قريش؛ ويذكر ما سألوه وما تباعد من أمرهم:

ألا قـــــل لعـــــمرو والوليـــــد ومطـــعـــــمٍ * ألا ليـــــت حـــــظي مـــن حياطتكم بكر (1)

مـــــن الخـــــور حبـــــحاب كثـــــير رغاؤه * يـــــرش عــلى الساقين من بوله قطر (2)

تخـــــلف خـــــلف الـــــورد لـــــيس بلاحق * إذا مـــــا عـــــل الفيــــفاء قيل له وبر (3)

أرى أخـــــوينا مـــــن أبـــــينا وأمـــــنــــــا * إذا سئـــــلا قـــــالا إلـــــى غـــــيرنا الأمــر

بلـــــى لهـــــما أمـــــر ولكـــــن تجــــرجما * كما جرجمت من رأس ذي علق صخر (4)

أخـــــص خـــــصوصاً عــبـد شمس ونوفلاً * همـــــا نبـــــذانا مثـــــل ما ينـــــبذ الجــــمر

همـــــا أغـــــمزا للقـــــوم فـــــي أخويهما * فـــــقـــــد أصبحـــــا منـــــهم أكفـــهما صفر

همـــــا اشـــــركا فـــــي المجد من لا ابالة * مـــــن الـــــناس إلا ان يـرش له ذكره (5)

____________

(1) البكر: الفتي من الإبل. (المؤلف)

(2) الخور جمع أخور: الضعيف. حبحاب بالمهملتين: القصير. ويروى بالجيمين المعجمتين: الكثير الكلام. ويروى بالخاء المعجمة ومعناه: الضعيف. (المؤلف)

(3) الفيفاء: الأرض القفر. وبر: دويبة على قدر الهرة. (المؤلف)

(4) تجرجما: سقطا وانحدرا، يقال: تجرجم الشيء إذا سقط. ذو علق: جبل في ديار بني أسد. (المؤلف).

(5) يرس له ذكر ذكراً خفيفاً. رس الحديث: حدث به في خفاء. (المؤلف)


( 43 )

 

وتيـــــم ومخــــزوم وزهـــــرة منــهم * وكانــوا لنا مولى إذا بني النصر (1)

فـــــوالله لا تنـــــفك مـــــنــــا عــداوة * ولا منهم ما كان من نسلنا شفر (2)

فقــــد سفهـت أحلامهم وعـــــقــولهم * وكـــــانوا كجـفرٍ بئس ما صنعت جفر

قال ابن هشام: تركنا منها بيتين أقذع فيهما.

قال الأميني: حذف أبن هشام منها ثلاثة أبيات لا تخفى على أي أحد غايته الوحيدة فيه، وإن الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره، ألا وهي:

ومــــا ذاك إلا ســـــؤدد خــصنا به * إله العـــــباد واصطـــفانا له الفخر

رجـــــال تمــالوا حاسدين وبغضة * لأهـــــل العـــــلى فبــيـنهم أبداً وتر

وليـــــد أبــوه كان عــبداً لجـــــدنا * إلى علجةٍ زرقاء جال بها السحـــر

يريد به الوليد بن المغيرة وكان من المستهزئين بالنبي الأعظم ومن الذين مشوا إلى أبي طالب عليه السلام في أمر النبي صلى لله عليه وآله وسلم وقد نزل قوله تعالى : (ذرني ومن خلقت وحيدا) (3) وكان يسمى : الوحيد في قومه (4) .

ثم قام أبو طالب ـ حين رأى قريشا يصنعون ما يصنعون ـ في بني هاشم وبني المطلب فدعاهم إلى ما هو عليه من منع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والقيام دونه فاجتمعوا إليه وقاموا معه، وأجابوه ما دعاهم، إليه، إلا ما كان من أبي لهب عدو الله الملعون.

فلما رأى أبو طالب من قومه ما سره في جهدهم معه وحدبهم عليه؛ جعل يمدحهم ويذكر قديمهم؛ ويذكر فضل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيهم، ومكانه منهم، ليشد لهم

____________

(1) في سيرة ابن هشام: 1 / 287: إذ بغي النصر.

(2) شفر. أحد. يقال: ما بالدار شفر، أي ما بها أحد. (المؤلف)

(3) المدثر: 11.

(4) الروض الأنف: 1 / 173 (3 / 62)، تفسير البيضاوي: 2 / 562 (2 / 542) ، الكشاف: 3 / 230 (4 / 647)، تاريخ ابن كثير: 4 / 443 (3 / 78) تفسير الخازن: 4 / 345 (4 / 328). (المؤلف)


( 44 )

رأيهم، وليحدبوا معه على أمره؛ فقال:

إذا اجتمعـــــت يــوماً قريش لمفخر * فعبد منافٍ ســـــرها وصميمها (1)

فـــــإن حـصلت أشراف عبد منافها * ففي هـــــاشم أشـــــرافها وقــديمها

وإن فخـــــرت يـــــومــاً فإن محمداً * هــو المصطفى من سرها وكريمها

تداعـــــت قـــــريش غثها وسمينها * علينا فلم تظفر وطاشت حلومها(2)  

وكنـــــا قـــــديماً لا نقـــــر ظـــلامةً * إذا ما ثنوا صعر الخدود نقيمهـا(3)

ونحـــــمي حمــــاها كل يوم كريهةٍ * ونضرب عن أحجارها من يرومــها

بنـــــا انتعش العــــود الذواء وإنما * بأكنافـــنا تندى وتـنمى أرومها (4)

سيرة ابن هشام (1 / 275 ـ 283)، طبقات ابن سعد (1 / 186)، تاريخ الطبري (2 / 218)، ديوان أبي طالب (ص 24)، الروض الأنف (1 / 171، 172)، شرح ابن أبي الحديد (3 / 306)، تاريخ ابن كثير (2 / 126، 258، و 3 / 42، 48 ، 49)، عيون الأثر (1 / 99، 100)، تاريخ أي الفداء (1 / 117)، السيرة الحلبية (1 / 306، أسنى المطالب (ص 15) فقال: هذه الابيات من غرر مدائح أبي طالب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم الدالة على تصديقه اياه، طلبة الطالب (ص 5 ـ 9) (5 ).

____________

(1) سرها وصميمها: خالصها وكريمها. قال: فلان من سر قومه. أي: من خيارهم ولبابهم وأشرافهم. (المؤلف)

(2) طاشت حلومها: ذهبت عقولها. (المؤلف)

(3) ثنوا: عطفوا. صعر جمع أصعر: المائل. يقال: صعر خده. أي أماله الى جهة كما يفعل المتكبر. (المؤلف)

(4) انتعش: ظهرت فيه الخضرة. الذواء: اليابس. الأكناف: النواحي. الأرومة: الأصل. (المؤلف)

(5) السيرة النبوية: 1 / 282 ـ 288، الطبقات الكبرى: 1 / 202، تاريخ الأمم والملوك: 2 / 322 ـ 328، ديوان أبي طالب: ص 72، الروض الأنف: 3 / 48ن 60، شرح نهج البلاغة: 14 / 53 ـ 55 كتاب 9، البداية والنهاية: 2 / 148، 317، ج 3 / 56، 64، 65، عيون الأثر: 1 / 131 ـ 133، السيرة الحلبية: 1 / 287، أسنى المطالب: ص 28.


( 45 )

12 ـ سيد الأباطح وصحيفة قريش:

اجتمع قريش وتشاوروا أن يكتبوا كتاباً تعاقدون فيه على بني هاشم وبني المطلب أن لا ينكحوا إليهم ولا يبيعوا منهم شيئاً ولا يتبايعوا، ولا يقبلوا منهم صلحاً أبداًَ، ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للقتل، ويخلوا بينهم وبينه، وكتبوه في صحيفة بخط منصور بن عكرمة، أو بخط بغيض بن عامر، أو بخط النضر ابن الحرث، أو بخط هشام بن عمرو، أو بخط طلحة بن أبي طلحة، أو بخط منصور ابن عبد، وعلقوا منها صحيفة في الكعبة هلال المحرم سنة سبع من النبوة، وكان اجتماعهم بخيف بني كنانة وهو المحصب، فانحاز بنو هشام وبنو المطلب إلى أبي طالب ودخلوا معه في الشعب إلا أبا لهب فكان مع قريش، فأقاموا على ذلك سنتين وقيل ثلاث سنين، وإنهم جهدوا في الشعب حتى كانوا يأكلون الخبط (1) وورق الشجر.

قال ابن كثير: كان أبو طاب مدة إقامتهم بالشعب يأمره صلى الله عليه وآله وسلم فيأتي فراشه كل ليلة حتى يراه من أراد به شراً وغائلة، فإذا نام الناس أمر أحد بنيه أو إخوانه أو بني عمه أن يضطجع على فراش المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ويأمر هو أن يأتي بغض فرشهم فيرقد عليها.

ثم إن الله تعالى أوحى إلى النبي صلى الله علية وآله وسلم أن الأرضة أكلت جميع ما في الصحيفة من القطيعة والظلم فلم تدع سوى اسم الله فقط، فأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم عمه أبا طالب بذلك، فقال: يا بن أخي أربك أخبرك بهذا؟ قال: «نعم». قال: والثواقب ما كذبتني قط. فانطلق في عصابة من بني هاشم والمطلب حتى أتوا لمسجد، فأنكر قريش ذلك، وظنوا أنهم خرجوا من شدة البلاء ليسلموا إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال أبو طالب:

____________

(1) الخبط: الورق المتساقط من الشجر.


( 46 )

يا معشر قريش جرت بيننا وبينكم أمور لم تذكر في صحيفتكم، فأتوا بها، لعل أن يكون بينننا وبينكم صلح، وإنما قال ذلك خشية أن ينظروا فيها قبل أن يأتوا بها فأتوا بها وهم لا يشكون أن أبا طالب يدفع إليهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فوضعوها بينهم وقبل أن تفتح قالوا لأبي طالب: قد آن لكم أن ترجعوا عما أحدثتم علينا وعلى أنفسكم، فقال: أتيتكم في أمر هو نصف بيننا وبينكم، إن ابن أخي أخبرني ـ ولم يكذبني ـ أن الله قد بعث على صحيفتكم دابة فلم تترك فيها إلا اسم الله فقط، فإن كان كما يقول فأفيقوا عما أنتم عليه، فوالله لا نسلمه حتى نموت من عند آخرنا. ون كان باطلاً دفعناه إليكم فقتلتم أو استحييتم! فقالوا: رضينا. ففتحوها فوجدوها كما قال صلى الله عليه وآله وسلم. فقالوا: هذا سحر ابن أخيك وزادهم ذلك بغياً وعدوانا.

وإن أبا طالب قال لهم بعد أن وجدوا الأمر كما أخبر به صلى الله عليه وآله وسلم: علام نحصر ونحبس وقد بان الأمر وتبين أنكم أولى بالظلم والقطيعة؟ ودخل هو ومن معه بين أستار الكعبة وقال: اللهم انصرنا على من ظلمنا، وقطع أرحامنا، وساتحل ما يحرم عليه منا.

وعند ذلك مشت طائفة من قريش في نقض تلك الصحيفة فقال ابو طالب:

ألا هـل أتى بحرينا (1) صنع ربنا * على نأيهم والله بالناس أرود (2)

فيخـــــبرهم أن الصحيـــفة مزقت * وأن كـــــل ما لم يرضه الله مفسد

تـــــراوحها إفـــــك وسحـر مجمع * ولم يلــف سحر آخر الدهر يصعد

تـــــداعى لهــا من ليس فيا بقرقر * فطـــــائرهـا في رأسها يتردد (3)

____________

(1) يريد به من كان هاجر من المسلمين إلى الحبشة في البحر. (المؤلف)

(2) أرود: أرفق. (المؤلف)

(3) القرقر: اللين السهل. وقال السهيلي: من ليس فيها بقرقر: أي ليس بذليل وطائرها: أي حظها من الشؤم والشر، وفي التنزيل ألزمناه طائره في عنقه الإسراء: 13. (المؤلف)


( 47 )

 

وكـــــانت كـــــفاءً وقـــــعة بأثيـــــمـــــةٍ * ليقـــــطع منـــــها ساعـــــد ومقـــــلـــــد

ويظـــــعن أهـــــل المكـــــتين فيـــهربوا * فـــــرائصهم من خـــــشية الشــر ترعد

ويتـــــرك حـــــراك يقـــــلــــــب أمـــــره * أيتـــــهم فيـــــها عـــــند ذاك وينجد (1)

وتصعـــــد بـــــين الاخشـــــبـــيــن كتيبة * لهـــــا حــــدج سهم وقوس ومرهد (2) 

فمـــــن ينـــــش مـــــن حضار مكة عزه * فعـــــرتنا فـــــي بـــــطن مــكة أتلد (3)

نشـــــأنا بهـــــا والـــــناس فيــــها قلائل * فلـــــم تـــــنفك نـــــزداد خـــــيراً ونحمد

ونطعـــــم حـــــتى يتــــرك الناس فضلهم * إذا جعـــــلت أيدي المفيضين ترعد (4) 

جـــــزى الله رهطاً بالحجون تتابعوا (5) * عـــــلى مـــــلأ يهـــــدي لـــحزم ويرشد

قـــــعـــــوداً لــــدى خــطم الحجون كأنهم * مـــقـــــاولـــــة (6) بل هـم أعز وأمجد

أعـــــان عـــــليها كـــــل صــــقــــر كأنه * إذا ما مشى في رفرف الدرع أحرد (7)

ألا إن خـــــيـــــر النـــــاس نفـساً ووالداً * إذا عـــــد ســـــادات البـــــرية أحـــــمــد

نبـــــي الإلـــــه والكـــــريم بأصـــــلـــــه * وأخـــــلاقـــــه وهـــــو الــــرشيد المؤيد

جـــــريء عـــــلى جــــلى الخطوب كأنه * شهـــــاب بكـــــفي قـــــابس يـــتوقد (8)

____________

(1) الحراث: المكتسب. يتهم: يأتي تهامة. ينجد: يأتي نجداً. (المؤلف)

(2) الأخشبان: جبلان بمكة. المرهد: الرمح للين. (المؤلف)

(3) ينش: أي ينشأ بحذف الهمزة على غير قياس. أتلد: أقدم. (المؤلف)

(4) المفيضين: الضاربون بقداح الميسر. يريد سلام الله عليه: أنهم يطعمون إذا بجل الناس. (المؤلف).

(5) في سيرة ابن هشام: تبايعوا. والمقصود بهم الأشخاص الذين سعوا في نقض الصحيفة التي تعاهدت فيها قريش على مقاطعة بني هاشم.

(6) المقاولة: الملوك. (المؤلف)

(7) رفرف الدرع: ما فضل منها. أحرد: بطيء المشي لثقل الدرع. (المؤلف)

(8) وفي رواية:

حزيم على جل الأمور كأنه * شهـــاب بكــفي قابس يتوقد

(المؤلف)


( 48 )

 

من الأكرمين مــــــن لــــــؤي بن غالب * إذا سيــــــم خــــــسفاً وجـــهه يتربد (1)

طــــــويل النجاد (2) خارج نصف ساقه * عــــــلى وجــــــهه يسقى الغمام ويسعـد

عــــــظيم الرمــــــاد ســــــيد ابــــن سيدٍ * يحــــــض عــلى مقرى الضيوف ويحشد

ويــــــبني لأبــــــناء العــــــشيرة صالحاً * إذا نحــــــن طــــــفنا فــــــي البلاد ويمهد 

ألــــــظ (3) بهــــــذا الصلـــــح كل مبراً * عــــــظيم اللــــــواء أمــــــره ثــــم يحمد

قضـــــوا ما قضوا في ليلهم ثم اصبحوا * عــــــلى مهــــــل وســــــائر النـاس رقد

هــــــم رجعـــوا سهل بن بيضاء راضياً * وســــــر أبــــــو بـــــكر بها ومحمد (4) 

متــــــى شــــــرك الأقوام في جل أمرنا * وكنــــــا قــــــديماً قبــــــلها نــــــتــــــودد  

وكنــــــا قــــــديماً لا نــــــقر ظلامـــــــةً * ونــــــدرك مــــــا شئــــــنا ولا نـــتـــشدد  

فيــــــال قــــــصي هــل لكم في نفوسكم * وهــــــل لكــــــم فيــــــها يجــــيء به غد

فأنــــــي وإيــــــاكم كما قــــــل قــــــائـل * لــــــديك البــــــيان لـو تكلمت أسود (5)

طبقات ابن سعد (1 / 173، 192)، سيرة ابن هشام 51 / 399 ـ 404)، عيون الاخبار لابن قتيبة (2 / 151)، تاريخ اليعقوبي (2 / 22)، الاستيعاب ترجمة سهل بن بيضاء (2 / 570)، صفة الصفوة (1 / 35) ، الروض الانف (1 / 331) خزانة الأدب للبغدادي (1 / 252)، تاريخ ابن كثير (3 / 84، 95 / 97)، عيون الأثر (1 / 127)،

____________

(1) سيم ـ بالبناء للمجهول ـ: كلف. الخسف: الذل. يتربد: يتغير إلى السواد. (المؤلف)

(2) النجاد: حمائل السيف. (المؤلف)

(3) ألظ: ألح ولزم. (المؤلف)

(4) ذكر الشطر الثاني في الديوان هكذا: وسر إمام العالمين محمد. وسهل بن بيضاء صحابي أسلم بمكة وأخفى إسلامه، وهو الذي مشى الى النفر الذين قاموا في شأن الصحيفة، حتى اجتمع له منهم عدة تبرروا منها وأنكروها.

(5) أسود: جبل، قتل فيه قتيل فلم يعرف قاتله، فقال أولياء المقتول: لديك البيان لو تكلمت أسود. فذهب مثلاً. توجد في ديوان أبي طالب (ص 46 و 96) أبيات من هذه القصيدة غير ما ذكر لم نجدها في غيره. (المؤلف)


( 49 )

الخصائص الكبرى (1 / 151)، ديوان ابي طالب (ص13)، السيرة الحلبية (1 / 357 ـ 367)، سيرة زيني دحلان هامش الحلبية (1 / 286 ـ 290)، طلبة الطالب (ص 9، 15، 44)، أسنى المطالب (ص 11 ـ 13) (1 ).

وذكر ابن الأثير قصة الصحيفة في الكامل (2) (2 / 36) فقال: قال أبو طالب في أمر الصحيفة وأكل الأرضة ما فيها من ظلم وقطيعة رحمٍ أبياتاً، منها:

وقـد كان في أمر الصحيفة عبرة * متـــى ما يخبر غائب القوم يعجب

محا الله منها كفرهم وعـقــوقهم * وما نقموا من ناطق الحق معرب

فأصبـح ما قالوا من الأمر باطلاً * ومن يختلق ما ليس بالحق يكذب

13 ـ وصية ابي طالب عند موته:

عن الكلبي قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جمع إليه وجوه قريش فأوصاهم فقال: يا معشر قريش أنتم صفوة الله من خلقه وقلب العرب، فيكم السيد المطاع، وفيكم المقدام الشجاع، الواسع الباع، واعلموا أنكم لم تتركوا للعرب في المآثر نصيباً إلا أحرزتموه، ولا شرفاً إلا أدركتموه، فلكم بذلك على الناس الفضيلة، ولهم به إليكم الوسيلة، والناس لكم حرب وعلى حربكم إلب، وإني أوصيكم بتعظيم هذه البنية ـ يعني الكعبة ـ فإن فيها مرضاة للرب، وقواماً للمعاش، وثباتاً للوطأة، صلوا أرحامكم ولا تقطعوها فإن صلة الرحم منسأة في الأجل، وزيادة في العدد، واتركوا

____________

(1) الطبقات الكبرى: 1 / 188، 208، السيرة النبوية: 2 / 14 ـ 19، تاريخ اليعقوبي: 2 / 31، الاستيعاب: القسم الثاني / 660 رقم 1080، صفة لصفوة: 1 / 98 رقم 1، الروض الأنف: 3 / 341، خزانة الأدب: 2 / 57، البداية والنهاية: 3 / 106، 121، 122، عيون الأثر: 1 / 165،الخصائص الكبرى : 2491 ، ديوان أبي طالب : 45 ـ 46 ، السيرة الحلبية 1 / 337 ـ 345 ، السيرة النبوية: 1 / 137، أسنى المطالب: ص 19 ـ 22.

(2) الكامل في التاريخ: 1 / 504 ـ 507.


( 50 )

البغي والعقوق ففيها هلكة القرون قبلكم، أجيبوا الداعي، وأعطوا السائل فإن فيهما شرف الحياة والممات، وعليكم بصدق الحديث، وأداء الأمانة، فإن فيهما محبة في الخاص، ومكرمة في العام.

وإني أوصيكم بمحمد خيراً فإنه الأمين في قريش، والصديق في العرب، وهو الجامع لكل ما أوصيتكم به، وقد جاءنا بأمر قبله الجنان، وأنكره اللسان مخافة الشنآن، وأيم الله كأني أنظر الى صعاليك العرب وأهل الأطراف والمستضعفين من الناس قد أجابوا دعوته، وصدقوا كلمته، وعظموا أمره، فخاض بهم غمرات الموت، وصارت رؤساء قريش وصناديدها أذناباً، ودورها خراباً، وضعفاؤها أرباباً، وإذا أعظمهم عليه أحوجهم إليه، وأبعدهم منه أحظاهم عنده، قد محضته العرب ودادها، وأصفت له فؤادها، وأعطته قيادها، دونكم يا معشر قريش ابن أبيكم، كونوا له ولاةً ولخزبه حماةً، والله لا يسلك أحد سبيله إلا رشد، ولا يأخذ أحد بهديه إلا سعد، ولو كان لنفسي مدة، وفي اجلي تأخير، لكففت عنه الهزاهز، ولدافعت عنه الدواهي.

الروض الأنف (1 / 259)، المواهب (1 / 72)، تاريخ الخميس (1 / 339)، ثمرات الأوراق هامش المستطرف (2 / 9)، بلوغ الإرب (1 / 327)، السيرة الحلبية (1 / 375) السيرة لزيني دحلان هامش الحلبية (1 / 93)، أسنى المطالب (ص 5) (1 ).

قل الأميني: في هذه الوصية الطافحة بالإيمان والرشاد دلالة واضحة على أنه صلى الله عليه وآله وسلم إنما أرجأ تصديقه باللسان إلى هذه الآونة التي يئس فيها من الحياة حذرا شنآن قومه المستتبع لانثياله عنه، المؤدي إلى ضعف المنة (2) وتفكك القوى، فلا يتسنى له حينئذ الذب عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإن الإيمان به مستقراً في الجنان من

____________

(1) الروض الأنف: 4 / 30، المواهب اللدنية: 1 / 265، تاريخ الخميس: 1 / 300، ثمرات الأوراق: ص 294، السيرة الحلبية: 1 / 352، السيرة النبوية: 1 / 45، أسنى المطالب: ص 11.

(2) المنة: القوة.


( 51 )

أول يومه ، لكنه لما شعر بأزوف الأجل وفوات الغاية المذكورة أبدى ما أجنته أضالعه (1) فأوصى بالنبي صلى الله علية وآله وسلم بوصيته الخالدة. 14 ـ وصية أبي طالب لبني أبيه:

أخرج ابن سعد في الطبقات الكبرى (2 ): أن أبا طالب حضرته الوفاة دعا بني عبد المطلب فقال: لن تزالوا بخير ما سمعتم من محمد، وما اتبعتم أمره، فاتبعوه وعينوه ترشدوا.

وفي لفظ: يا معشر بني هاشم أطيعوا محمداً وصدقوه تفلحوا وترشدوا.

وتوجد هذه الوصية (3) في تذكرة السبط (ص 5)، الخصائص الكبرى (1 / 87)، السيرة الحلبية (1 / 372، 375)، سيرة زيني دحلان هامش الحلبية (1 / 92، 293)، أسنى المطالب (ص 10). و رأى البرزنجي هذا الحديث دليلاً على إيمان أبي طالب ونعما هو، قال: قلت: جدا أن يعرف أن الرشاد في اتباعه ويأمر غيره بذلك ثم يتركه هو.

قال الأميني: ليس في العقل السليم مساغ للقول بأن هذه المواقف كلها لم تنبعث عن خضوع أبي طالب للدين الحنيف وتصديقه للصادع به صلى الله عليه وآله وسلم، وإلا فماذا الذي كان يجدوه إلى مخاشنة قريش ومقاساة الأذى منهم وتعكير الصفو من حياته لا سيما أيام كان هو والصفوة من فئته في الشعب، فلا حياة هنيئة، ولا عيش رغداً، ولا أمن يطمأن به، ولا خطر مدروءاً، يتحمل الجفاء والقطيعة والقسوة المؤلمة من قومه، فماذا

____________

(1) أجنه: أخفاء وستره.

(2) الطبقات الكبرى: 1 / 123.

(3) تذكرة الخواص: ص 8، الخصائص الكبرى: 1 / 147، السيرة الحلبية: 1 / 352، السيرة النبوية: 1 / 45 و 140، أسنى المطالب: ص 17.


( 52 )

الذي أقدمه على هذه كلها؟ وماذا الذي حصره وحبسه في الشعب عدة سنين تجاه أمر لا يقول بصدقه ولا يخبت إلى حقيقته؟ لاها الله لم يكن كل ذلك إلا عن إيمان ثابت، وتصديق وتسليم وإعان بما جاء به نبي الإسلام، يظهر ذلك للقارئ المستشف لجزئيات كل من هذه القصص، ولم تكن القرابة والقومية بمفردها تدعوه إلى مقاساة تلكم المشاق كما لم تدع أبا لهب أخاه، وهب أن القرابة تدعوه الى الذب عنه صلى الله عليه وآله وسلم لكنها لا تدعوا إلى المصارحة بتصديقه وأن ما جاء به حق، وأنه نبي كموسى خط في أول الكتب، وأن من اقتص اثره فهو المهتدي، وأن الضال من ازور عنه وتخلف، إلى أمثل ذلك من مصارحات قالها بملء فمه، ودعا إليه صلى الله عليه وآله وسلم فيها بأعلى هتافه. 15 ـ حديث عن أبي طالب:

    ذكر ابن حجر في الإصابة (4 / 116) من طريق إسحاق بن عيسى الهاشمي عن أبي رافع قال: سمعت أبا طالب يقول: سمعت ابن أخي محمد بن عبد الله يقول: إن ربه بعثه بصلة الأرحام وأن يعبد الله وحده ولا يعبد معه غيره ومحمد الصدوق الأمين.

وذكره السيد زيني دحلان في أسنى المطالب (1) (ص 6) وقال: أخرجه الخطيب، وأخرجه السيد فخار بن معد في كتاب الحجة (2) (ص 26) من طريق الحافظ أبي نعيم الإصبهاني، وبإسناد آخر من طريق أبي الفرج الاصبهاني، وروى الشيخ إبراهيم الحنبلي في نهاية الطلب عن عروة الثقفي قال: سمعت أبا طالب رضي الله عنه يقول: حدثني بن أخي الصادق الأمين وكان والله صدوقاً: إن ربه أرسله بصلة الأرحام، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة وكان يقول: اشكر ترزق، ولا تكفر تعذب.

____________

(1) أسنى المطالب: ص 15.

(2) الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب: ص 135.


( 53 )

 

ـ 3 ـ

ما يروي عنه آله وذووه  من طرق العامة فحسب

أما رجال آل هاشم، وأبناء عبد المطلب، وولد أبي طالب، فلم يؤثر عنهم إلا الهتاف بايمانه الثابت ، وأن ما كان يؤثره في نصرة النبي الأقدس صلى الله عليه وآله وسلم كان منبعثاً عن تدين بما صدع به صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت أدرى بما فيه.

قال ابن الأثير في جامع الأصول: وما أسلم من أعمام النبي صلى الله عليه وآله وسلم غير حمزة والعباس وأبي طالب عند أهل البيت عليهم السلام. انتهى.

نعم: هتفوا بذلك في أجيالهم وأدوارهم بملء الأفواه وبكل صراحة وجبهوا من خالفهم في ذلك.

إذا قـالت حذام فصدقوها * فإن القول ما قالت حذام

1 ـ قال ابن أبي الحديد في شرحه (1) (3 / 312): روي بأسانيد كثيرة بعضها عن العباس بن عبد المطلب وبعضها عن أبي بكر بن أبي قحافة: إن أبا طالب ما مات حتى قال: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. والخبر مشهور أن أبا طالب عند الموت قال كلاماً خفياً، فأصغى إليه أخوه العباس (2 )، وروي عن علي عليه السلام أنه قال: «ما مات

____________

(1) شرح نهج البلاغة: 14 / 71 كتاب 9.

(2) راجع سيرة بن هشام: 2 / 27 (2 / 59)، دلائل النبوة للبيهقي (2 / 346)، تاريخ ابن كثير: 3 / 123 (3 / 152)، عيون الأثر لأبن سيد الناس: 1 / 131 (1 / 173)، الإصابة: 4 / 116 (رقم 685)، المواهب اللدنية: 1 / 71 (1 / 262)، السيرة الحلبية: 1 / 372 (1 / 350)، السيرة الدحلانية هامش الحلبية: 1 / 89 (السيرة النبوية: 1 / 44)، أسنى المطالب: ص 20 (ص 35). (المؤلف)


( 54 )

أبو طالب حتى أعطى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من نفسه الرضا".

وذكر أبو الفداء والشعراني عن ابن عباس: أن أبا طلب لما أشتد مرضه قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا عم قلها استحل لك بها الشفاعة يوم القيامة يعني الشهادة ، فقال له أبو طالب: يا بن أخي لولا مخافة السبة وأن تظن قريش إنما قلتها جزعاً من الموت لقلتها. فلما تقارب من أبي طالب الموت جعل يحرك شفتيه فأصغى إلية العباس بإذنه وقال: والله يا بن أخي لقد قال الكلمة التي أمرته أن يقولها. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الحمد لله الذي هداك يا عم (1).

وقال السيد أحمد زيني دحلان في السيرة الحلبية (2) (1 / 94): نقل الشيخ السحيمي في شرحه على شرح جوهرة التوحيد عن الإمام الشعراني والسبكي وجماعة أن ذلك الحديث ـ أعني حديث العباس ـ ثبت عند بعض أهل الكشف وصح عندهم سلامه.

قال الأميني: ذكرنا هذا الحديث مجاراة للقوم وإلا فما كانت حاجة أبي طالب مسيسة عند الموت إلى التلفظ بتينك الكلمتين اللتين كرس حياته الثمينة للهتاف بمفادهما في شعره ونشره، والدعوة إليهما، والذب عمن صدع بهما، ومعاناة الأ هوال دونهما حتى يومه الأخير. ما كانت حاجة أبي طالب مسيسة عندئذ إلى التفوه بها كأمر مستجد، فمتى كفر هو؟ ومتى ضل؟ حتى يؤمن ويهتدي بهما، أليس من الشهادة قوله الذي أسلفناه (ص 331).

ليعـــلم خــــير الناس أن محــــمداً * وزيـر لموسى والمسيح ابن مريم  

أتانــــــا بهــــــدي مثــل ما أتيا به * فــكــــــل بأمــــر الله يهدي ويعصم

وإنكــــــم تــتــــلونه فـــــي كتابكم * بصــــــدق حـديثٍ لا حــديث مبرجم

____________

(1) تاريخ أبي الفداء: 1 / 120، كشف للشعراني: 2 / 144. (المؤلف)

(2) السيرة النبوية: 1 / 46.


( 55 )

وقوله في (ص 332):

أمين حبـــــيب في العباد مسوم * بخـــــاتم رب قاهر في الخواتم

نبــــي أتاه الوحي من عند ربه * ومن قال لا يقرع بها سن نادم

وقوله في (ص 332):

ألم تعــــــلموا أنـــــا وجدنا محمداً * رسولاً كموسى خط في أول الكتب

وقوله في (ص334):

فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة * وابــشــــــر بــذاك وقر منك عيونا

ودعوتني وعلمت أنك ناصحـــــي * ولــقــــــد دعـــــوت وكنت ثم أمينا  

ولقــــــد عــــــلمت بأن دين محمد * مــن خــــــير أديــــــان البرية دينا

وقوله في (ص 335):

أو تــــؤمنوا بكـــتاب منزل عجب * على نبي كموسى أو كذي النون

وقوله في (ص 337):

نصرت الرسول رسول المليك * ببــــــيض تــلألأ كلمع البروق

أذب وأحــــــمي رســــــول الله * حــــــماية حـــــام عليه شفيق

وقوله في (ص 340):

فأيـــــده رب العـباد بنصره * وأظهر ديناً حقه غير باطل

وقوله في ص (356) :


( 56 )

 

والله لا أخــــــذل لنــــــبي ولا * يخــــــذله مـــن بني ذو حسب

نحــــــن وهـــذا النبي ننصره * نضرب عنه الأعداء بالشهب

وقوله في (ص 345):

أتبغــــــون قتـــلاً للنبي محمد * خصصتم على شؤم بطول أثام

وقوله في (ص 357):

فصبراً أبا يعــــلى على دين أحمد * وكــن مظهراً للدين وفقت صابرا

وحط من أتى بالحق من عند ربه * بصــدق وعزم لا تكن حمز كافرا

فقــــــد سرني إذ قــلت إنك مؤمن * فـــكن لرسول الله في الله ناصرا

وقوله وقد رواه أبو الفرج الأصبهاني:

زعــــــمت قــــــريش أن أحــمد ساحر * كذبوا ورب الراقصات إلى الحرم (1)  

ما زلــــــت أعــــــرفه بصــــدق حديثه * وهــــــو الأمين على الحرائب والحرم

وقوله المروي من طريق أبي الفرج الإصبهاني كما في كتاب الحجة( 2) (ص 72) ومن طريق الحسن بن محمد بن جرير كما في تفسير أبي الفتوح (3) (4 / 212).

قل لمن كان من كنانة في العز * وأهــــــل النـدى وأهل المعالي  

قــــــد أتـاكم من المليك رسول * فاقــــــبلوه بصــــــالح الأعـمال

وانصــــروا أحمداً فإن من اللـ * ـه رداءً عــــــليــــــه غير مدال

وقوله من أبيات في شرح ابن أبي الحديد (4) (3 / 315):

____________

(1) أراد بالراقصات إلى الحر الإبل الراكضات. رقص الجمل إذا ركض. (المؤلف)

(2) الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب: ص 281.

(3) تفسير أبي الفتوح: 8 / 473.

(4) شرح نهج البلاغة: 4 / 78 كتاب 9.


( 57 )

 

فخــــــير بـــني هاشم أحمد * رسول الإله على فترة (1)

ولو كان يؤثر أقل من هذا عن أحد من الصحابة لطبل له، وزمر من يتشبث بالطحلب في سرد الفضائل لبعضهم مغالاةً فيهم، لكني أجد إسلام أبي طالب مستعصياً فهمه على هؤلاء ولو صرخ بألف هتاف من ضرائب هذه. لماذا؟ أنا لا أدري!

2 ـ أخرج ابن سعد في طبقاته (2) (1 / 105) عن عبيد الله بن بي رافع عن علي قال: أخبرت رسول الله صلى لله عليه وآله وسلم بموت أبي طالب، فبكى ثم قال: اذهب فاغسله وكفنه وواره غفر الله له ورحمه.

وفي لفظ الواقدي: فبكى بكاءً شديداً ثم قال: اذهب فاغسله. إلخ. وأخرجه (3) ابن عساكر كما في أسنى المطالب (ص 21)، والبيهقي في دلائل النبوة، وذكره سبط ابن الجوزي في التذكرة (ص 6) وابن أبي الحديد في شرحه (3 / 314)، والحلبي في السيرة (1 / 373)، والسيد زيني دحلان في هامش السيرة الحلبية (1 / 90)، والبرزنجي في نجاة أبي طالب وصححه كما في أسنى المطالب (ص 35) وقال: أخرجه أيضاً أبو داود، وابن الجارود، وابن خزيمة وقال: إنما ترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم المشي في جنازته أتقاءً من شر سفهاء قريش. وعدم صلاته لعدم مشروعية صلاة الجنازة يومئذٍ.

____________

(1) اشار إلى قوله تعالى: (قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل) { المائدة: 19} وتوجد الأبيات في كتاب الحجة للسيد فخار: ص 74 {ص 283}. (المؤلف)

(2) الطبقات الكبرى: 1 / 123.

(3) مختصر تاريخ مدينة دمشق: 29 / 32 أسنى المطالب: ص 38 ، دلائل النبوة: 2 / 348، تذكرة الخواص: ص 8، شرح نهج البلاغة 14 / 76 كتاب 9، السيرة الحلبية: 1 / 351، السيرة النبوية: 1 / 44 ، أسنى المطالب: ص 62.


( 58 )

عن السلمي وغيره: توفي أبو طالب للنصف من شوال في السنة العاشرة من حين نبئ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ وتوفيت خديجة بعده بشهر وخمسة ايام فاجتمع على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليها وعلى عمه حزن شديد حتى سمي ذلك العام عام الحزن.

طبقات ابن سعد (1 / 106)، الامتاع للمقريزي (ص 27)، تاريخ ابن كثير (3 / 134)، السيرة الحلبية (1 / 373)، السيرة لزيني دحلان هامش الحلبية (1 / 291)، أسنى المطالب (ص 11) (1 ).

لفت نظر: عين ابن سعد لوفاة بي طالب يوم النصف من شوال كما سمعت، وقال أبو الفداء في تاريخه (1 / 120) توفي في شوال، وأوعز القسطلاني في المواهب (2) (1 / 71) موته في شوال إلى لقيل، وقال المقريزي في الإمتاع (ص 27): توفي أول ذي القعدة وقيل: النصف من شوال، وقال الزرقاني في شرح المواهب (1 / 291): مات بعد خروجهم من الشعب في ثامن عشر رمضان سنة عشر، وفي الاستيعاب: خرجوا من الشعب في أول سنة خمسين وتوفي أبو طالب بعده بستة أشهر فتكون وفاته في رجب. انتهى. وهذا الاختلاف موجود في تآليف الشيعة أيضاً.

3 ـ أخرج البيهقي عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عاد من جنازة أبي طالب فقال: «وصلتك رحم، وجزيت خيراً يا عم» وفي لفظ الخطيب: عارض النبي جنازة أبي طالب فقال: «وصلتك رحم، جزاك الله خيراً يا عم».

دلائل النبوة للبيهقي، تاريخ الخطيب البغدادي (13 / 196)، تاريخ ابن كثير

____________

(1) الطبقات الكبرى: 1 / 125، البداية والنهاية: 3 / 156، السيرة الحلبية: 1 / 346، السيرة النبوية: 1 / 139، أسنى المطالب: ص 14، 20.

(2) المواهب اللدنية: 1 / 262.


( 59 )

(3 / 125)، تذكرة السبط (ص 6)، نهاية الطلب للشيخ إبراهيم الحنفي كما في الطرائف (ص 86)، الإصابة (4 / 116)، شرح شواهد المغني (ص 136) (1 ).

وقال اليعقوبي في تاريخه (2) (2 / 26): لما قيل لرسول الله: إن أبا طالب قد مات عظم ذلك في قبله واشتد له جزعه، ثم دخل فمسح جبينه الأيمن أربع مرات وجبينه الأيسر ثلاث مرات، ثم قال: «يا عم ربيت صغيرا ، وكفلت يتيماً، ونصرت كبيراً، فجزاك الله عني خيراً، ومشى بين يدي سريره وجعل يعرضه ويقول: وصلتك رحم ، وجزيت خيراً».

4 ـ عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث قال: قال العباس: يا رسول الله أترجو لأبي طالب؟ قال: «كل الخير أرجو من ربي».

أخرجه ابن سعد في الطبقات (3) (1 / 106) بسند صحيح رجاله كلهم ثقات رجال الصحاح وهم: عفان بن مسلم، وحماد بن سلمة، وثابت البنائي (4 )، وإسحاق ابن عبد الله.

وأخرجه ابن عساكر (5) كما في الخصائص الكبرى (6) (1 / 87)، والفقيه الحنفي

____________

(1) دلائل النبوة 2 / 349، البداية والنهاية: 3 / 155، تذكرة الخواص: ص 8، الطرائف: ص 305 ح 393، شرح شواهد المغني: 1 / 397 رقم 197.

(2) تاريخ اليعقوبي: 2 / 35.

(3) الطبقات الكبرى: 1 / 124.

(4) في الخصائص الكبرى: البناني، كذا ذكره ابن سعد في الطبقات الكبرى: 7 / 232، والذهبي في سير أعلام النبلاء: 5 / 220، وفي تذكرة الحفاظ: 1 / 125.

(5) مختصر تاريخ مدينة دمشق: 29 / 32.

(6) الخصائص الكبرى: 1 / 147.


( 60 )

الشيخ إبراهيم الدينوري في نهاية الطلب كما في الطرائف (1) (ص 68)، وذكره ابن أبي الحديد في شرحه (2) (3 / 311)، والسيوطي في التعظيم والمنة (ص 7) نقلاً عن ابن سعد.

5 ـ وعن أنس بن مالك قال: أتى أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله لقد أتيناك وما لنا بعير يئط، ولا صبي يصطبح (3 )، ثم أنشد:

أتــــــيناك والعــــــذراء يدمــــــي لبــــانها * وقد شغــــــلت أم الصبــــــي عــــن الطفل

وألقــــــى بكــــــفيه الصــــــبي استــــكانةً * مــــــن الجــــــوع ضعفاً ما يمر ولا يحلي

ولا شــــــيء مــــــما يــــأكل الناس عندنا * سوى الحنظل العامي والعلهز الفسل (4)

ولــــــيس لنــــــا إلا إلــــــيك فــــــرارنــــا * وأيــــــن فــــــرار النـــاس إلا إلى الرسل

فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يجر رداءه حتى صعد المنبر فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: «اللهم سقنا غيثاً مغيثاً سحاً طبقاً غير رائث، تنبت به الزرع وتملأ به الضرع، وتحيي به الأرض بعد موتها، وكذلك تخرجون».

فما استتم الدعاء حتى التقت السماء بروقها؛ فجاء أهل البطانة يضجون: يا رسول الله الغرق، فقال: «حوالينا ولا علينا». فانجاب السحاب عن المدينة كالإكليل، فضحك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى بدت نواجذه وقال : «لله در أبي طالب لو كان حياً لقرت عيناه، من الذي ينشدنا شعره؟ فقال علي بن أبي طالب كرم الله

____________

(1) الطرائف: ص 305 ح 394.

(2) شرح نهج البلاغة: 14 / 68 كتاب 9.

(3) أطت الإبل: أنت تعباً أو حنيناً. يصطبح: يشرب اللبن صباحاً.

(4) العهز: وبر الإبل يخط بالدم ثم يشوى بالنار، وكان أهل الجاهلية يتخذونه طعاماً في سني المجاعة. الفسل: الحقير الذي لا قيمة له.


( 61 )

وجهه: يا رسول الله كأنك ردت قوله:

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال اليتـــامى عصمة للأرامل

قال: أجل فأنشده أبياتاً من القصيدة ورسول الله يستغفر لأبي طالب على المنبر، ثم قام رجل من كنانة وانشد:

لــك الحمد والحمد ممن شكر * سقيـــــنا بـوجــه النبي المطر

دعـــــا الله خـــــالقه دعـــــوةً * وأشخــــص معها إليه البصر

فلـــــم يك إلا كإلـــــقاء الـردا * وأســـــرع حـــتى رأينا الدرر

دفاق العزالي جم البعاق (1) * أغـــــاث به الله عـــــليا مضر

فكـــــان كمـــــا قـــــاله عمه * أبـو طالب أبيض ذو (2) غرر

بــه الله يسقي صيوب الغمام * وهـــــذا العـــــيان لـذاك الخبر

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إن يك شاعراً يحسن فقد حسنت».

أعلام النبوة للماوردي (ص 77)؛ بدائع الصنائع (1 / 283)، شرح ابن أبي الحديد (3 / 316)، السيرة الحلبية، عمدة القاري (3 / 435)، شرح شواهد المغني للسيوطي (ص 136)، سيرة زيني دحلان (1 / 87)، أسنى المطالب (ص 15)، طلبة الطالب (ص 43) (3 ).

قال البرزنجي كما في أسنى المطالب: فقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم «لله در أبي طالب»

____________

(1) راجع ص 4 من الجزء الثاني من هذا اكتاب. (المؤلف)

(2) كذا في المصدر بالواو وحقه النصب بالألف لأنه خبر (كان).

(3) أعلام النبوة: ص 130، شرح نهج البلاغة: 14 / 81 كتاب 9، السيرة الحلبية: 1 / 116، عمدة القاري: 7 / 31، شرح شواهد المغني: 1 / 398 رقم 197، السيرة النيوية: 1 / 43، أسنى المطالب: ص 26.


( 62 )

يشهد له بأنه لو رأى النبي وهو يستسقي على المنبر لسره ذلك، ولقرت عيناه، فهذا من النبي صلى الله عليه وآله وسلم شهادة لأبي طالب بعد موته أنه كان يفرح بكلمات النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتقر عينه بها، وما ذلك إلا لسر وقر في قلبه من تصديقه بنبوته وعلمه بكمالاته. انتهى.

قال الأميني: وذكر جمع هذا الحديث في استسقاء النبي صلى الله عليه وأله وسلم وحذف منه كلمة: «لله در أبي طالب». وأنت أعرف مني بالغاية المتوخاة في هذا التحريف، ولا يفوتنا عرفانها.

6 ـ قال ابن أبي الحديد في شرحه (1) (3 / 316): ورد في السير والمغازي أن عتبة ابن ربيعة أو شيبة لما قطع رجل أبي عبيدة بن الحارث بن المطلب يوم بدر أشبل (2) عليه علي وحمزة فاستنقذاه منه وخبطا عتبة بسيفهما حتى قتلاه، واحتملا صاحبهما من المعركة إلى العريش فألقياه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإن مخ ساقه ليسيل، فقال: يا رسول الله لو كان أبو طالب حياً لعلم أنه قد صدق في قوله:

كذبتم وبيت الله نخلي محمداً * ولمـــا نطاعن دونه ونناضل

ونــنصره حتى نصرع حوله * ونذهـــل عن أبنائنا والحلائل

فقالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استغفر له ولأبي طالب يومئذٍ.

7 ـ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لعقيل بن أبي طالب: «يا أبا يزيد إني أحبك حبين حباً لقرابتك مني، وحباً لما كنت أعلم من حب عمي أبي طالب إياك».

____________

(1) شرح نهج البلاغة: 14 / 80 كتاب 9.

(2) أشبل: عطف.


( 63 )

أخرجه (1) أبو عمر في الاستيعاب (2 / 509)، والبغوي، والطبراني كما في ذخائر العقبى (ص 222)، وتاريخ الخميس (1 / 163)؛ وعماد الدين يحيى العامري في بهجة المحافل (1 / 327)، وذكره ابن أبي الحديد في شرحه (3 / 312) وقال: قالوا: اشتهر واستفاض هذا الحديث، والهيثمي في مجمع الزوائد (9 / 273) وقال: رجاله ثقات.

هذا شاهد صدق على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يعتقد إيمان عمه، وإلا فما قيمة حب كافر لأي أحد حتى يكون سبباً لحبه صلى لله عليه وآله وسلم أولاده؟

وقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذا لعقيل كان بعد إسلامه كما نص عليه الامام العامري في بهجة المحافل وقال: وفيها إسلام عقيل بن أبي طالب الهاشمي، ولما أسلم قال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: يا أبا يزيد. إلى آخره.

وقل جمال الدين الاشخر اليمني في شرح البهجة عند شرح لحديث: ومن شأن المحب محبة حبيب الحبيب.

ألا تعجب من حب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبا طالب إن لم يك معتنقاً لدينه ـ العياذ بالله ـ ومن إعرابه عنه بعد وفاته. ومن حبه عقيلاً لحب أبيه إياه؟ 8 ـ أخرج أبو نعيم (2) وغيره عن ابن عباس وغيره قالوا: كان أبو طالب يحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم حباً شديداً لا يحب أولاده مثله، ويقدمه على أولاده؛ ولذا كان لا ينام إلا إلى جنبه، ويخرجه معه حين يخرج.

____________

(1) الاستيعاب: القسم الثالث / 1078 رقم 1834، المعجم الكبير: 17 / 191 ح 510، شرح نهج البلاغة: 14 / 70 كتاب 9.

(2) دلائل النبوة: 1 / 209 و 212.


( 64 )

ولما مات أبو طالب نالت قريش منه من الأذى ما لم تكن تطمع فيه في حياة أبي طالب، حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش فنثر على رأسه تراباً، فدخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيته والتراب على رأسه؛ فقامت إليه إحدى بناته تغسل عنه التراب وتبكي ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لها: «يا بنية لا تبكي فإن الله مانع أباك، ما نالت مني قريش شياً أكرهه حتى مات أبو طالب» (1).

وفي لفظ: «ما زالت قريش كاعين ـ أي جبناء ـ حتى مات أبو طالب».

وفي لفظ: «ما زالت قريش كاعة حتى مات أبو طالب».

تاريخ الطبري (2 / 229)، تاريخ بن عساكر (1 / 284)، مستدرك الحاكم (2 / 622)، تاريخ ابن كثير (3 / 122، 134)، الصفوة لابن الجوزي (1 / 21)، الفائق للزمخشري (2 / 213)، تاريخ الخميس (1 / 253)، السيرة الحلبية (1 / 375)، فتح الباري (7 / 153، 154)، شرح شواهد المغني (ص 136) نقلاً عن البيهقي، أسنى المطالب (ص11، 21)، طلبة الطالب (ص4/54).

9 ـ عن عبد الله قال: لما نظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر إلى القتلى وهم مصرعون قال لأبي بكر: «لو أن أبا طالب حي لعلم أن أسيافنا قد أخذت بالأماثل» يعني قول أبي طالب:

كذبتم وبيت الله إن جد ما أرى * لتلتــــــبس أسيـــافنا بالأماثل

____________

(1) تاريخ الأمم والملوك: 2 / 344، مختصر تاريخ دمشق: 29 / 33، المستدرك على الصحيحين: 2 / 679 ح 4243، البداية والنهالية: 3 / 106 و 151، صفة الصفوة 1 / 66 و 105 رقم 1، الفائق: 3 / 290، السيرة الحلبية: 1 / 353، فتح الباري: 7 / 194، شرح شواهد المغني: 1 / 397 رقم 197، دلائل النبوة: 2 / 350، أسنى المطالب: ص 19 و 38.


( 65 )

الأغاني (1) (17 / 28)، طلبة الطالب (ص 38) نقلاً عن دلائل لإعجاز (2 ).

10 ـ أخرج الحافظ الكنجي في الكفاية (3) (ص 68): من طريق الحافظ ابن فنجويه عن ابن عباس في حديث مرفوعاً قال صلى الله عليه وآله وسلم لعلي: لو كنت مستخلفاً أحداً لم يكن أحد أحق منك لقدمتك في الإسلام، وقرابتك من رسول الله، وصهرك وعندك فاطمة سيدة نساء المؤمنين وقبل ذلك ما كان من بلاء أبي طالب، أياي حين نزل القرآن وأنا حريص أن أرعى ذلك في ولده بعده.

قال الأميني: إن شيئاً من مضامين هذه الأحاديث لا يتفق مع كفر أبي طالب، فهو صلى الله عليه وآله وسلم لا يأمر خليفته الإمام عليه السلام بتكفين كافر ولا تغسيله، ولا يستغفر له ولا يترحم عليه، كما في الحديث الثاني، ولا يجزيه خيراً كما في الحديث الثالث، ولا يرجو له بعض الخير ـ فضلاً عن كله ـ كما في الحديث الرابع، ولا يستدر له الخير كما في حديث الاستسقاء، ولا يستغفر له كما في الحديث السادس، ولا يحب عقيلاً لحبه إياه؛ فإن الكفر يزع المسلم عن بعض هذه، فكيف بكلها فضلاً عن نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم؟ وهو الصادع بقول الله العزيز: (لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم) (4 ).

وقوله تعالى: (يا يها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق) (5 ).

____________

(1) الأغاني: 18 / 214.

(2) دلائل الإعجاز: ص 15.

(3) كفاية الطالب: ص 166. وانظر الدر المنثور: 8 / 661.

(4) المجادلة: 22.

(5) الممتحنة: 1.


( 66 )

وقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون) (1 ). ‌

وقوله تعالى: (ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل اليه ما اتخذوهم أولياء) (2 ). إلى آيات أخرى. الكلم الطيب:

أخرج تمام الرازي في فوائده؛ بإسناده عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا كان يوم القيامة شفعت لأبي وأمي وعمي أبي طالب وأخ لي كان في الجاهلية».

ذخائر العقبى (ص 7)، الدرج المنيفة للسيوطي (ص 7)، مسالك الحنفا (ص14)، وقال فيه: أخرجه أبو نعيم وغيره وفيه التصريح بأن الأخ من الرضاعة، فالطرق عدة يشد بعضها بعضاً؛ فإن الحديث الضعيف يتقوى بكثرة طرقه، وأمثلها حديث ابن مسعود فإن الحاكم صححه.

وفي تاريخ اليعقوبي (3) (2 / 26) روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «إن الله عز وجل وعدني في أربعة: في أبي وأمي وعمي وأخ كان لي في الجاهلية».

أخرج ابن الجوزي بإسناده عن علي عليه السلام مرفوعاً: «هبط جبرئيل عليه السلام علي فقال: إن الله يقرئك السلام ويقول: حرمت النار على صلب أنزلك، وبطن حملك، وحجر كفلك»، أما الصلب فعبد الله، وأما البطن فآمنة، وأما الحجر فعمه ـ يعني أبا طالب ـ

____________

(1) التوبة: 23.

(2) المائدة: 8.

(3) تاريخ اليعقوبي: 2 / 35.


( 67 )

وفاطمة بنت أسد. التعظيم والمنة للحافظ السيوطي (ص 25).

وفي شرح ابن أبي الحديد (1) (3 / 311): قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «قال لي جبرائيل: إن الله مشفعك في ستة: بطن حملتك آمنة بنت وهب، وصلب أنزلك عبد الله ابن عبد المطلب، وحجر كفلك أبو طالب، وبيت آواك عبد المطلب، وأخ كان لك في الجاهلية» إلى آخره. رثاء أمير المؤمنين والده العظيم:

ذكر سبط ابن الجوزي في تذكرته (2) (ص 6): أن علياً عليه السلام قال في رثاء أبي طالب:

أبا طالب عصمة المستجير * وغيث المحـــول ونور الظلم

لقد هــــد فـقدك أهل الحفاظ * فصـــــلى عـــليك ولي النعم  

ولقـــــــاك ربك رضـــــوانه * فقد كنت للطهر من خير عم

هذه الأبيات توجد في ديوان أبي طالب أيضاً (ص 36)، وذكر أبو علي الموضح كما في كتاب الحجة (3) (ص 24) للسيد فخار ابن معد المتوفى (630)، وقال ابن أبي الحديد: قال أيضاً:

أرقـــــت لطـــــير آخـــر الليل غردا * يذكرنـــــي شـــــجواً عـظيماً مجددا

أبا طالب مأوى الصعاليك ذا الندى * جــــواداً إذا مــا أصدر الأمر أوردا

فأمســـــت قــريش يفرحون بموته * ولســـــت أرى حـــــياً يـكون مخلداً

أرادوا أمـــــوراً زينــــتها حلومهم * ستـــــوردهم يـوماً من الغي موردا

____________

(1) شرح نهج البلاغة: 14 / 67 كتاب 9.

(2) تذكرة الخواص: ص 9.

(3) الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب: ص 122.


( 68 )

 

يرجون تكذيب النــــــبي وقتـــــــله * وأن يفتـــرى قــــــدما عليه ويجحدا

كــــــذبتم وبـــيت الله حـــتى نذيقكم * صـــــدور العوالي والحسام المهندا

فإمــــــا تبــــــيدونا وإمــــــا نبيدكم * وإمــــــا تروا سلـم العشيرة أرشدا

وإلا فــــــإن الحــــــي دون محــمدٍ * بني هــــاشم خير البرية محتدا (1)

هذه الأبيات توجد في الديوان المنسوب إلى مولانا أمير المؤمنين عليه السلام مع تغيير يسير وزيادة وإليك نصها:

أرقــــــت لنــــــوح آخر الليل غردا * يذكرني شجــــــواً عــــظيماً مجدداً

أبا طالب مأوى الصعاليك ذا الندى * وذا الحــــــلم لا خلفاً ولم يك قعددا

أخــــــا ملـــــك خلى ثلمةً سيدسها * بنــــــو هـــــاشم أو يستباح فيهمدا

فأمســــــت قـــريش يفرحون بفقده * ولســــــت أرى حــياً لشيء مخلدا

أرادت أمــــــوراً زينــــتها حلومهم * ستــــــورهم يوماً من الغي موردا

يرجــــــون تكــــــذيب النــبي وقتله * وأن يفــــــتروا بهـتاً عليه ويجحدا

كذبتــــــم وبــــــيت الله حـتى نذيقكم * صــدور العوالي والصفيح المهندا

ويــــــبدو منــــــا منــظر ذو كريهةٍ * إذا ما تســــــربلنا الحديد المـسردا

فــــــإما تبــــــيدونا وإمــــــا نبيدكم * وإما تروا سلم العــــــشيرة أرشدا

وإلا فــــــإن الحــــــي دون محــمدٍ * بنو هاشم خــــــير البـــــرية محتدا

وإن لــــــه فيكـــــم من الله ناصراً * ولست بلاقٍ صاحــــــب الله أوحــدا

نبــــــي أتـــــى من كل وحي بحظه * فسماه ربي فــــــي الكــتـاب محمدا

أغر كضوء البـــــدر صورة وجهه * جلا الغيم عــــــنـــــه ضوؤه فتوقدا

أمن على ما استــــــودع الله قلـبه * وإن كان قــــــولاً كـــان فيه مسددا

____________

(1) هذه الأبيات لم نعثر عليها في شرح ابن أبي الحديد، وهي موجودة بتمامها في تذكرة الخواص: ص 9.


( 69 )

كلمة الإمام السجاد:

قال ابن أبي الحديد في شرحه (1) (3 / 312): روي أن علي بن الحسين عليه السلام سئل عن هذا ـ يعني عن إيمان أبي طالب ـ فقال: «واعجبا إن الله تعالى نهى رسوله أن يقر مسلمة على نكاح كافر وقد كانت فاطمة بنت أسد من السابقات إلى الإسلام ولم تزل تحت أبي طالب حتى مات». كلمة الإمام الباقر:

سئل عليه السلام عما يقول الناس إن أبا طالب في ضحضاح من نار فقال: «لو وضع إيمان أبي طالب في كفة ميزان وإيمان هذا الخلق في الكفة لأخرى لرجح إيمانه» ثم قال: «ألم تعلموا أن أمير المؤمنين علياً عليه السلام كان يأمر أن يحج عن عبد الله وابنه (2) وأبي طالب في حياته ثم أوصى في وصيته بالحج عنهم».

شرح ابن أبي الحديد (3) (3 / 311). كلمة الإمام الصادق:

روي عن أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إن أصحاب الكهف أسروا الإيمان وأظهروا الكفر فآتاهم الله أجرهم مرتين، وإن أبا طالب أسر الإيمان وأظهر الشرك فآتاه الله أجره مرتين». شرح ابن أبي الحديد (4) (3 / 312).

قال الأميني: هذا الحديث أخرجه ثة الإسلام الكليني في أصول الكافي (5)

____________

(1) شرح نهج البلاغة: 14 / 69 و 68 كتاب 9.

(2) كذا في الطبعة التي اعتمدها العلامة رحمه الله من شرح النهج، وفي الطبعة المحققة: وأبيه أبي طالب.

(3) شرح نهج البلاغة: 14 / 68 كتاب 9.

(4) المصدر لسابق: 14 / 70 كتاب 9.

(5) أصول الكافي: 1 / 448 ح 28.


( 70 )

( ص 244) عن الإمام الصادق غير مرفوع ولفظه: «إن مثل أبي طالب مثل اصحاب الكهف أسروا الإيمان وأظهروا الشرك فآتاهم الله أجرهم مرتين».

وبلفظ بن أبي الحديد ذكره السيد ابن معد في كتابه الحج (1) (ص 7) من طريق الحسين بن أحمد المالكي وزاد فيه: «وما خرج من الدنيا حتى أتته البشارة من الله تعالى بالجنة». كلمة الإمام الرضا:

كتب أبان بن محمد إلى علي بن موسى الرضا عليه السلام: جعلت فداك إني قد شككت في إسلام أبي طالب.

فكتب إليه: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين) (2 ). الآية، وبعدها «إنك إن لم تقر بإيمان أبي طالب كان مصيرك إلى النار» شرح ابن أبي الحديد (3) 3 / 311. قصارى القول في سيد الأبطح عند القوم:

إن كلاً من هذه العقود الذهبية بمفرده كافٍ في إثبات الغرض فكيف بمجموعها، ومن المقطوع به أن الأئمة من ولد أبي طالب عليه السلام أبصر الناس بحال أبيهم، وأنهم لم ينوهوا إلا بمحض الحقيقة، فإن العصمة فيهم رادعة عن غير ذلك، ولقد أجاد مفتي الشافعية بمكة المكرمة في أسنى امطالب، حيث قال (4) في (ص 33):

هذا المسلك الذي سلكه العلامة محمد بن رسول البرزنجي في نجاة أبي

____________

(1) الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب: ص 84.

(2) النساء: 115.

(3) شرح نهج البلاغة: 14 / 68 كتاب 9.

(4) أسنى المطالب: ص 59 ـ 60.


( 71 )

طالب لم يسبقه إليه أحد فجزاه الله أفضل الجزاء، ومسلكه هذا الذي سلكه يرتضيه كل من كان متصفاً بالإنصاف من أهل الإيمان، لأنه ليس فيه إبطال شيء من النصوص ولا تضعيف لها، وغاية ما فيه أنه حملها على معانٍ مستحسنة يزول بها الإشكال ويرتفع الجدال، ويحصل بذلك قرة عين النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والسلامة من الوقوع في تنقيص أبي طالب أو بغضه، فإن ذلك يؤذي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد قال الله تعالى: (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذباً مهيناً) (1) وقال تعالى: (والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم) (2 ).

وقد ذكر الإمام أحمد بن الحسين الموصلي الحنفي المشهور بابن وحشي في شرحه على الكتاب المسمى بشهاب الأخبار للعلامة محمد بن سلامة القضاعي المتوفى (454): أن بغض أبي طالب كفر. ونص على ذلك أيضاً من أئمة المالكية العلامة علي الأجهوري في فتاويه، والتلمساني في حاشيته على الشفاء، فقال عند ذكر أبي طالب: لا ينبغي أن يذكر إلا بحماية النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنه حماه ونصره بقوله وفعله، وفي ذكره بمكروه أذية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ومؤذي النبي صلى الله عليه وآله وسلم كافر، والكافر يقتل، وقال أبو طاهر: من أبغض أبا طالب فهو كافر.

ومما يؤيد هذا التحقيق الذي حققه العلامة البرزنجي في نجاة أبي طالب أن كثيراً من العلماء المحققين وكثيراً من الأولياء العارفين ارباب الكشف قالوا بنجاة أبي طالب، منهم: القرطبي و السبكي والشعراني وخلائق كثيرون، وقالوا: هذا الذي نعتقده وندين الله به، وإن كان ثبوت ذلك عندهم بطريق غير الطريق الذي سلكه البرزنجي، فقد أتفق معهم على القول بنجاته، فقول هؤلاء الأئمة بنجاته أسلم للعبد عند الله تعالى لا سيما مع قيام هذه الدلائل والبراهين التي أثبتها العلامة البرزنجي. انتهى.

____________

(1) الأحزاب: 57.

(2) التوبة: 61.


( 72 )

وذكر السيد زيني دحلان في أسنى لمطالب (1) (ص 43) قال: ولله در القائل:

قــــــفا بمطــــــلع سعـــــد عز ناديه * وأمليــــــا شـــرح شوقي في مغانيه

واستقــبلا مطلع الأنوار في أفق الـ * ـحجــــــون واحتــرسا أن تبهرا فيه

مغــــــنىً به وابــل ارضوان منهمر * ونائــــــرات الهــــــدى دلــت مناديه

قــــــفا فــــذا بلبل الأفراح من طربٍ * يــــــروي بديــع المعاني في أماليه

واستمــــــليا لأحـاديث العجائب عن * بحــــــرٍ هنــــــاك بـــديعٍ في معانيه

حامي الذمار مجير الجار من كرمت * منه السجــــــابا فلــم يفخر مباريه

عــــــم النــــــبي الـذي لم يثنه حسد * عــــــن نصــره فتغالى في مراضيه

هــــــو الذي لم يزل حصناً لحضرته * موفــــــقاً لــــــرسول الله يحـــــميه

وكــــــل خــــــير ترجــــــاه النبي له * وهــــــو الـــذي قط ما خابت أمانيه

فـــيا من أم العلى في الخالدات غدا * أغــــــث للهفــــانه واسعف مناديه

قــــــد خـــــصك الله بالمختار تكلؤه * وتستعــــــز به فخــــــراً وتطـــــريه

عــــــنيت بالحـــب في طه ففزت به * ومــــــن ينــــــل حب طه فهو يكفيه

كــم شمت آيات صدقٍ يستضاء بها * وتــــــملأ القــــــلب إيمانـــاً وترويه

من الذي فاز في الماضين أجمعهم * بمثــــــل مــــــا فـزت من طه باريه

كفـــــلت خير الورى في يتمه شغفاً * وبــــــت بالــــــروح والأبـناء تفديه

عضدتــــــه حـــــين عادته عشيرته * وكنــــــت حــــائطه من بغي شانيه

نصرت من لم يشم الكون رائحة الـ * ـوجــــــود لو لــــــم يقدر كونه فيه

إن الــــــذي قمـــت في تأييد شوكته * هــــــو الذي لم يكن شيء يساويه

إن الــــــذي أنت قـــد أحييت طلعـته * حبــــــيب مـن كل شيء في أياديه

لله درك مــــــن قنــــــاص فــرصته * مذ شمت برق الأماني من نواحيه

____________

(1) أسنى المطالب: 77 ـ 79.


( 73 )

 

لله درك مــــــن قنــــــاص فــرصته * مذ شمت برق الأماني من نواحيه

يهنيك فـــوزك أن قدمت منــــك يداً * إلى مــــلي وفـــــي فـــــي جوازيه

من يسد أحسن معروفٍ لأحسن من * جـــــاز ينــــل فـوق ما نلت مانيه

ومــــن ســــعى لسعيدٍ في مطالبه * فهــــو الحــــري بأن تحــظى أماليه

فيــــا سعيد المساعي في متاجره * قــــد جــــئت ربعك أستهمي غواديـه

مستمطراً منك مزن الخير معترفاً * بــــأن غــــرس المنى يعنى بصافيه

إلى آخره.

ثم قال (1) في (ص 44) وقيل أيضاً:

إن القـــــلوب لتبكي حين تسمـع مـا * أبـــــدى أبـو طالب في حق من عظما

فـــــإن يكن أجـــــمع الأعلام أن له * نـــــارً فللـــــه كل الكون يفعل ما (2)

أمـــــا إذا اختلفـــوا فالرأي أن نردا * مـــــوارداً يرتضــــيها عقل من سلما

نتـــــابع المثبـــتي الإيمان من زمرٍ * في معـــــظم الدين تابعناهم فكما (3)

وهم عـــــدول خـــيار في مقاصدهم * فـــــلا نقـــــل إنـــهم لن يبلغوا عظما

لا تــــزدريهم أتدري من همو فهمو * همو عرى الدين قد أضحوا به زعما

هم السيوطي (4) والسبكي مع نفرٍ * كعــــدة النقبا حفــــــاظٍ أهــــل حمــى

وأهــــــل كشف وشعـــــرانيهم وكذا * القرطبي والسحيمي الجميع كما(5)

____________

(1) أسنى المطالب: ص 81.

(2) أي يفعل ما يشاء. (المؤلف)

(3) أي كما تابعناهم في معظم الدين نتابعهم في هذا. (لمؤلف)

(4) للسيوطي كتاب: بغية الطالب لإيمان أبي طالب وحسن خاتمته. توجد نسخته في مكتبة (قوله) بمصر ضمن مجموعة رقم 16، وهي بخط السيد محمود، فرغ من الكتابة: سنة 1105. راجع الذريعة لشيخنا الطهراني: 2 / 511. (المؤلف)

(5) أي كما ترى في الوثاقة. (المؤلف).