( 5 )

مقدمة
        الحمد لله حمداً حمده به الأنبياء والأولياء والعباد الصالحون والصلاة والتسليم على أنبياء الله و رسله أجمعين ، بالأخص خاتمهم وأفضلهم محمد المصطفى وأهل بيته الذين طهرهم و أذهب عنهم الرجس و جعلهم القدوة للناس إلى يوم الدين .

في طريق تحقيق نهج البلاغة
        إن كتاباً ككتاب نهج البلاغة ، الذي جمع بين دفتيه من خطب و مواعظ و حكم و رسائل لسيد الفصحاء والبلغاء الذي تربى منذ نعومة أظافره في حجر الرسالة وغذي بلبان النبوة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه الذي اتبع الرسول صلى الله عليه و آله اتباع الفصيل اثر أمه و كان منه كالصنو من الصنووالذراع من العضد.
        لمن المؤسف عليه أن يقع تصحيحة وضبط نصه و شرح ألفاظه بأيد غير أمينة على تراثنا الخالد العريق ، أمثال محمد عبده و محيي الدين الخياط و صبحي الصالح !!! الذين جعلوا كل اهتمامهم في تحقيقه جهة البلاغة والفصاحة فيه ، غاضين طرفهم عما فيه من مسائل مهمة ، بالأخص تلك المباني التي تختلف مع مذهبهم اختلافا جوهرياً ، فحاولوا وبشتى الطرق تحريفها و تغييرها عن معناها لتتلائم و ما يعتقدونه و يذهبون إليه !!.
        و من هذا المنطلق كانت تدور في خلدي فكرة تحقيق نهج البلاغة تحقيقاً يتناسب مع شأنه ، ولكن


( 6 )


خطورة الخوض في أعماقه كانت تردّدني كثيراً في الشروع به ، إلى أن رفع تردّدي بعض أصحاب الخبرة ومن عليه المعول في هذا المجال و شجعني و بعث اطمئناناً في قلبي ، فعزمت على تحقيقه واضعاً خطة بدائية لهذا العمل تتكوّن من :
        (1) مقابلة الكتاب على أهم نسخه المعتبرة التي تمتاز بالقدم والقراءة والبلاغ ، و كذا مقابلته على أقدم شروحه المعتبرة.
        (2) تثبيت أهم الاختلافات بين النسخ في الهامش
        (3) ذكر أسانيد ماورد في نهج البلاغة من خطب وحكم ورسائل متصلة إلى أمير المؤمنين عليه السلام ، مع ذكر المصادر المتقدمة على زمن الشريف الرضي .
        (4) عرض ما جاء في متن الكتاب من خطب ورسائل وحكم وكلمات قصار على المصادر القديمة والإشارة إلى ما وقع من اختلافات بينها.
        (5) ذكر مصادر الروايات الواردة في الكتاب عن رسول الله صلى الله عليه و آله وبالاعتماد على أهم الكتب عند الفريقين .
        (6) الأبيات الشرعية التي استشهد بها أمير المؤمنين صلوات الله عليه ، تشرح و تذكر أقدم مصادرها .
        (7) الأمثال والحكم التي استشهد بها أمير المؤمنين عليه السلام في كلامه ، تشرح و يذكر قائلها .
        (8) أسماء البلدان ، تشرح بالاعتماد على أقدم المصادر .
        (9) أسماء الحيوان والنبات ، تشرح بصورة مختصرة.
        (10) وضع ترجمة للأعلام المذكورين في نهج البلاغة .
        (11) شرح الكلمات اللغوية الصعبة الفهم على عامة الناس ، بالاعتماد على كتب اللغة و شروح نهج البلاغة القديمة.
        (12) رد الشبهات الواردة حول نهج البلاغة ، كل في محله في أثناء الخطب والرسائل والحكم .
        (13) التعريف ببعض المبهمات والاشارات في نهج البلاغة ، كذكر الاسماء التي أشار اليها عليه السلام في كلامه أوالبلدان والوقائع ، أوماذكره بالكنية ، كل ذلك وبالاعتماد على شروح نهج البلاغة المعتبرة والمصادر الاُمّ في التاريخ والحديث والرجال و ...
        (14) ومسائل أخرى كثيرة تستجد أثناء العمل .
        وفي أثناء وضعي خطة العمل وفي بدايات الدخول في هذا المشروع الجبار ، حصل لي لقاء مع سماحة الشيخ محمد النقدي حفظه الله ، وأطلعني على عزمه لتجديد طبع نهج البلاغة بصف حروفه وإخراجه بحله قشيبة من الناحية الفنية ، ذلك وبالاعتماد على طبعة صبحي الصالح .



( 7 )


        فأخبرته بما في هذه الطبعة من تحريفات وأخطاء كثيرة !
        فطلب مني تصحيح الكتاب وضبط نصه و رفع ما وقع فيه من تحريف ، من دون إطالة أوتعليق .
        فانتهزت الفرصة لكي أقدم عملي هذا بصورة بدائية ، وذلك بمقابلته على أقدم نسختين وضبط نصه من دون الاشارة إلى الاختلافات .
        وكلي أمل من العلماء وأصحاب النظر في أن يمدوني بنظراتهم العلمية ، لتطوير العمل ، ورفع جميع الاشكالات عنه ، وإخراجه بصورة يكون مفخرة لمذهبنا و تراثنا الغني الخالد .

صبحي الصالح وعمله في نهج البلاغة
        لم يبتكر صبحي الصالح في تحقيقه لنهج البلاغة شيئاً يذكر و يقدر ، سوى ما صنعه من فهارس فنية للكتاب لم يسبقه بها أحد ، وفي الفهرس الأول منها الذي خصصه للألفاظ المشروحة ، يندهش القارئ عند مطابقتها مع ما شرحه محمد عبده ، فيرى أكثرها أن لم نقل كلها منقولة نصا من شرح محمد عبده ، نعم محمد عبده شرح كل عدة كلمات في هامش واحد و صبحي الصالح أفرد لكل كلمة هامشاً على حدة !! ونوّه صبحي الصالح في مقدمته إلى هذا المطلب ، واعتذر عن هذا بأن محمد عبده عوّل في شرحه على شرح ابن أبي الحديد وأخذه منه حرفياً ، و هو أيضاً عوّل على شرح ابن أبي الحديد وأخذه منه حرفياً!!.
        وأما تقويم نص الكتاب فتشاهد صبحي الصالح في مقدمته ينقد محمد عبده بعدم اعتماده على مخطوطات نهج البلاغة في التصحيح ، و أنه اكتفى بنسخة واحدة ، ولم يجشم نفسه عناء البحث عن النسخ المختلفة و مقابلة بعضها ببعض ضبطاً للنص و تصحيحاً للأصل واختياراً للأدق الأكمل وانسجاماً مع أمانة العلم و منهجية التحقيق .
        وبعد كلام صبحي الصالح هذا نوجّه له سؤالاً و نستفهم منه عن النسخ التي اعتمدها و جشم نفسه عناء البحث عنها و ....؟!!
        فلم يذكر لنا وصف نسخة اعتمدها في تحقيقه ، واعتمد في ضبط النص على ما ضبطه محمد عبده ، حتى أنه تابعه في الأقواس والتنصيص وتقطيع النص ، وفي بعض الموارد التي خالف فيها محمد عبده ، كان الحق مع محمد عبده ، نعم يحتمل أن يكون قد قابل الكتاب مع شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد الذي حققه محمد أبوالفضل إبراهيم .
        ولو كان صبحي الصالح اعتمد في تحقيقه على مخطوطات لنهج البلاغة ، لما وقع في اشتباهات كثيرة ستأتي الإشارة إليها .



( 8 )


        وأما ما كتبه صبحي الصالح في مقدمته لنهج البلاغة والتي عنونها «لمحة خاطفة عن سيرة الامام علي عليه السلام» فتراه يراوغ فيها بين مدح و ذم دفين يجعل القارئ مصدقا بما يقوله و يحرف ذهنه عن الواقع من دون أن يشعر به .
        فمثلا تراه يمدح أمير المؤمنين عليه السلام بأنه كان : ثاقب الفكر ، راجح العقل ، بصيراً بمرامي الأمور ، له سياسة وحكمة وقيادة رشيدة.
        ولكن سرعان ما تراه يعقب على كلامه هذا ويهدم كل ما بناه و يلقي بسمّه ، وذلك عندما يقول : لكن مثله العليا تحكمت في حياته ، فحالت دون تقبله للواقع !! ورضاه بأنصاف الحلول !! بينما تجسدت تلك الواقعية في خلفه معاوية !! وكانت قبل متجسدة على سمو ونبل في الخليفة العظيم عمر بن الخطاب !!

الفوارق بين هذه الطبعة وطبعة صبحي الصالح
        تبلغ الفوارق بين هذه الطبعة وطبعة صبحي صالح المئات ، فتجد في كل صفحة فوارق كثيرة ، بل في كل سطر ، وهذا ما يدل على أن صبحي الصالح لم يعتمد على أي أصل أو مخطوط ، بل حاول في بعض الموارد تحريف النص عن معناه الأصلي ، ولو أردنا استقصاء جميع الفوارق وبحثها لطال بنا المقام، فنقتصر هنا على الاشارة إلى بعض الفوارق ونترك الاستقصاء بمطابقة هذه الطبعة مع طبعة صبحي الصالح إلى القارئ الكريم :


صبحي الصالح

 

المخطوط

 

 

 

رقم (180) من الحكم : واعجباه أتكون الخلافة بالصحابة والقرابة ؟

 

واعجباه أتكون الخلافة بالصحابة ولاتكون بالصحابة والقرابة ؟!

رقم (243) من الحكم : والأمانة نظاماً للأمة .

 

والإمامة نظاماً للأمة

رقم (319) من الحكم : فما جاع فقير إلا بما متع به غني

 

فما جاع فقير إلا بما منع به غني

رقم (233) من الخطب : روى ذعلب اليمامي

 

روى اليماني




( 9 )


رقم (72) من الحكم : ضرار بن ضمرة الضبائي

 

ضرار بن ضمرة الضبابي

رقم (52) من الحكم : قال الرضي وقد روي هذا الكلام عن النبي صلى الله عليه و آله وسلم

 

لم ترد هذه العبارة في المخطوط.

رقم (23) من الكتب : أقيموا هذين العمودين وأوقدوا هذين المصباحين وخلاكم ذم.

 

أقيموا هذين العمودين و خلاكم ذم.

رقم (378) من الحكم : ألا وإن من صحة البدن تقوى القلب.

 

ألا وإن من النعم سعة المال ، وأفضل من سعة المال صحة البدن ، وأفضل من صحة البدن تقوى القلب

رقم (1) من الخطب : والبلة والجمود واستأدى الله

 

والبلة والجمود والمساءة والسرور واستأدى الله

رقم (1) من الخطب : إلا إبليس اعترته الحمية وغلبت عليه الشقوة وتعزز بخلقة النار واستوهن خلق الصلصال

 

إلا ابليس وقبيله اعترتهم الحمية وغلبت عليهم الشقوة وتعززوا بخلقه النار واستوهنوا خلق الصلصال

رقم (52) من الخطب : ومن خطبة له عليه السلام وهي في التزهيد في الدنيا وثواب الله للزاهد و نعم الله على الخلق

 

ومن خطبة له عليه السلام قد تقدم مختارها برواية ونذكرها هاهنا برواية أخرى لتغاير الروايتين

رقم (126) من الخطب : و من كلام له عليه السلام لما عوتب على التسوية في العطاء

 

ومن كلام له عليه السلام لما عوتب على تصييره الناس أسوة في العطاء من غير تفضيل إلى السابقات والشرف قال :




( 10 )


رقم (31) من الكتب : المستسلم للدنيا

 

المستسلم للدهر الذام للدنيا

رقم (3) من الخطب ، آخر الخطبة ، في شرح الشريف الرضي :

 

وردت عبارة لم ترد في المطبوع وهي : وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه و آله خطب الناس وهو على ناقة قد شنق لها وهي تقصع بجرتها .
و من الشاهد على أن أشنق بمعنى شنق قول عدي بن زيد العبادي :
ساءها ما بنا تبين في الأيدي
                            وأشناقها إلى الأعناق

رقم (161) من الخطب : لا يتفاخرون ولايتناسلون

 

لا يتفاخرون ولايتناصرون ولايتناسلون

رقم (90) من الخطب : أولي أجنحة تسبح

 

أولى أجنحة مثنى وثلاث تسبح

رقم (3) من الخطب : وإنه لِيَعْلَم

 

وإنه لَيَعْلَم

رقم (64) من الخطب : وكل ظاهرٍ غير باطن

 

وكل ظاهر غيره غير باطن

رقم (3) من الخطب : وقسط آخرون

 

وفسق آخرون

آخر الكتاب

 

كلام الشريف الرضي في ختمه للكتاب لم يرد بأكمله في طبعة صبحي الصالح




( 11 )


عملنا في هذاالكتاب
تمركز عملنا في هذالكتاب على ضبط وتقويم النّص وعرضه بصورة خالية من الأخطاء والتحريف وبقدر الإمكان.
        فعرضنا الكتاب وقابلناه على أقدم مخطوطتين لنهج البلاغة:
        (1) المخطوطة المحفوظة في المكتبة العامة لآية الله المرعشي في قم المقدسة ، رقم (3827) ، بخط النسخ ، واضح مشكول ، مضبوط متقن ، كتب هذه المخطوطة الحسين بن الحسن بن الحسين المؤدّب، أتمّ الكتابة في شهر ذي القعدة سنة (499 هـ) أو (469 هـ) ، وكاتب هذه النسخة من علماء الشيعة المقاربين لعصر الرضي والمرتضى، وقد أجازه تلميذه الشيخ محمد بن علي بن أحمد بن بندار رواية نهج البلاغة ، كتبها في آخر الجزء الأول منه.
        وفي هوامش هذه النسخة قيود مختصرة أكثرها لغوية يحتمل أن تكون من الناسخ ابن المؤدب .
        والأوراق الثمانية الأولى والورقة الرابعة والعشرين ، ليست من أصل النسخة ، بل كتبت متأخراً بعد القرن العاشر.
        ولم يرد في هذه النسخة في باب حكم أمير المؤمنين عليه السلام من الرقم 138 إلى الرقم 376 ، ومن الرقم 453 إلى آخر الكتاب.
        (2) المخطوطة المحفوظة في مكتبة نصيري في طهران ، كتبها فضل الله بن المطهر الحسيني في الرابع من رجب سنة 494 هـ ، وهذه النسخة ناقصة من أولها إلى آخر الخطبة رقم (31) ، فقابلنا مقدار النقص على نسخة أخرى في مكتبة النصيري ، قديمة نفيسة بدون تاريخ .
        وفي هذه النسخة سقط من الخطبة رقم (235) إلى آخر الخطب ، ووردت الخطب رقم (185) إلى (192) بعد الخطبة رقم (234).
        ووردت الخطب رقم (311) إلى (332) بخط يختلف عن خط أصل النسخة ، ولعلّه يرجع إلى القرن العاشر.
        فاعتمدنا في ضبط النّص على المخطوطتين ، وأثبتنا ما كان متحداً بينهما في المتن ، وفي موارد الاختلاف أثبتنا الأصح والأرجح في المتن من دون الإشارة إلي الاختلاف إلّا في موارد نادرة جدّاً ، وفي موارد السقط من إحدى النسخ استعنا بطبعة محمد عبده ، وفي الموارد التي لم ترد في المخطوطتين ووردت في طبعة صبحي الصالح ومحمد عبده و غيرهما، وارتأينا اثباتها، فوضعناها بين معقوفين، فكل ما تجده بين معقوفين فهو ممالم يرد في المخطوطتين، أوإضافة عناوين.
        وأما شرح الكلمات التي أوردها صبحي الصالح في آخر الكتاب في فهارس الكتاب ، جعلناها في


( 12 )


هامش كل صفحة تسهيلاً للقارئ.
        وهذه الشروح رتّبتها وصحّحتها حسب المتن، بالأخص إذااختلفت الكلمة المشروحة في المتن، وأضفت بعض الشروح القليلة حسب ما تقتضيه الحاجة، وحذفت شروحاً أخر.
        وذكرت بعض التعليقات على موارد قليلة وحتمتها بكلمة (المصحح).
        وفي باب حكم أمير المؤمنين عليه السلام وردت بعضها التي كانت تحمل عدّة أرقام في حكمة واحدة، فوضعت لها رقماً واحداً ووحّدتها، وفقاً للنسختين.
        وفي باب الخطب ورد في المخطوطتين في موارد كثيرة بدلاً من «ومن خطبة له» «ومن كلام له» وبالعكس، فرتبناه حسب المخطوط.
        وفي أماكن متعددة من شرح الشريف الرضي للنص لم ترد مقاطع منه في المخطوطتين ، ووردت في المطبوع، فحذفناها وفقاً للأصل المخطوط .
        فتمركز عملنا على تقويم نصّ الكتاب وتقطيعه بما يوافق المناهج الجديدة، وملاحطة إعراب الكلمات وتصحيحها، وملاحظة الشروح، وترتيب الفهارس على أرقام صفحات هذه الطبعة.

فارس تبريزيان




( 13 )




صورة الصفحة الأولى من النسخة المعتمدة
في المكتبة العامة لآية الله المرعشي




( 14 )




صورة ما ورد في آخر الجزء الأول من النسخة المعتمدة
في المكتبة العامة لآية الله المرعشي




( 15 )




صورة الصفحة الأخيرة من النسخة المعتمدة
في المكتبة العامة لآية الله المرعشي




( 16 )




صورة الصفحة الأخيرة من النسخة المعتمدة
في مكتبة فخر الدين النصيري




( 17 )


[مقدمة السيد الشريف الرضي]

بسم الله الرحمن الرحيم


     أما بعد حمد الله الذي جعل الحمد ثمناً لنعمائه، ومَعاذاً(1) من بلائه، ووسيلاً(2) إلى جِنانه، وسبباً لزيادة إحسانه.
     والصلاة على رسوله نبيّ الرحمة، وإمام الائمة، وسراج الامة، المنتخب من طينة الكرم، وسلالة المجد(3) الاقدم، ومَغرِس الفخار المُعْرِق(4)، وفرع
____________
     1. المعاذ: الملجأ.
     2. وسيلاً ـ جمع وسيلة ـ : وهي ما يتقرب به.
     3. طينة الكرم: أصله; وسلالة المجد: فرعه.
     4. الفخار المعرق: الطيب العرق والمنبت.


( 18 )


العَلاء المثمر المورق.
     وعلى أهل بيته مصابيح الظُّلم، وعِصَم(1) الامم، ومنار(2) الدين الواضحة، ومثاقيل(3) الفضل الراجحة صلّى الله عليهم أجمعين، صلاة تكون إزاءً لفضلهم(4)، ومكافأة لعملهم، وكفاء لطيب فرعهم وأصلهم، ما أنار فجر ساطع، وخوى نجم(5) طالع.
     فإنّي كنتُ في عنفوان شبابي(6)، وغضاضة الغصن(7)، ابتدأتُ بتأليف كتاب في
____________
     1. العصم ـ جمع عصمة ـ : وهو ما يعتصم به.
     2. المنار: الاعلام، واحدها منارة.
     3. المثاقيل ـ جمع مثقال ـ : وهو مقدار وزن الشيء، فمثاقيل الفضل زناته، والمراد أن الفضل يعرف بهم مقداره.
     4. إزاء لفضلهم: أي مقابلة له.
     5. خوى النجم ـ بالتخفيف ـ : سقط، ـ وبالتشديد ـ : إذا مال للمغيب، وخوت النجوم: أمحلت فلم تمطر، كأخوت وخوّت بالتشديد.
     6. عنفوان الشباب: أوله.
     7. غضاضة الغصن: طراوته ولينه.


( 19 )


خصائص الائمة(عليهم السلام): يشتمل على محاسن أخبارهم، وجواهر كلامهم، حداني عليه(1) غرض ذكرته في صدر الكتاب، وجعلته أمام الكلام.
     وفرغت من الخصائص التي تخصّ أميرالمؤمنين علياً(عليه السلام)، وعاقت عن إتمام بقية الكتاب محاجزات الايام، ومماطلات الزمان(2).
     وكنتُ قد بوّبتُ ما خرج من ذلك أبواباً، وفصّلته فصولاً، فجاء في آخرها فصل يتضمّن محاسن ما نقل عنه(عليه السلام) من الكلام القصير في المواعظ والحِكم والامثال والاداب، دون الخطب الطويلة، والكتب المبسوطة.
     فاستحسن جماعة من الاصدقاء ما اشتمل عليه الفصل المقدّم ذكره، معجَبين ببدائعه، ومتعجّبين من نواصعه(3).
     وسألوني عند ذلك أن أبتدىء بتأليف كتاب يحتوي على مختار كلام مولانا أميرالمؤمنين(عليه السلام)في جميع فنونه، ومتشعّبات غصونه: من خطب، وكتب، ومواعظ وأدب.
     علماً أنّ ذلك يتضمّن من عجائب البلاغة، وغرائب الفصاحة، وجواهر العربية، وثواقب(4) الكلم الدينية والدنياوية، ما لا يوجد مجتمعاً في كلام، ولا مجموعَ الاطراف في
____________
     1. حداني عليه: بعثني وحملني، وهو مأخوذ من حداء الابل.
     2. محاجزات الايام: ممانعاتها، ومماطلات الزمان: مدافعاته.
     3. البدائع ـ جمع بديعة ـ : وهي الفعل على غير مثال، ثم صار يستعمل في الفعل الحسن وإن سبق إليه مبالغة في حسنه; والنواصع ـ جمع ناصعة ـ : الخالصة، وناصع كل شيء خالصه.
     4. الثواقب: المضيئة، ومنه الشهاب الثاقب، ومن الكلم ما يضيء لسامعها طريق الوصول إلى ما دلت عليه فيهتدي بها إليه.


( 20 )


كتاب; إذ كان أميرالمؤمنين(عليه السلام)مشرَعَ(1) الفصاحة وموردها، ومنشأ البلاغة ومولدها، ومنه(عليه السلام)ظهر مكنونها، وعنه أخذت قوانينُها، وعلى أمثلته حذاكلّ قائل(2) خطيب، وبكلامه استعان كلّ واعظ بليغ.
     ومع ذلك فقد سبق وقصروا، وتقدم وتأخروا، لانّ كلامه(عليه السلام)الكلامُ الذي عليه مَسْحة(3) من العلم الالهي، وفيه عَبْقَة(4) من الكلام النبوي.
     فأجبتهم إلى الابتداء بذلك، عالماً بما فيه من عظيم النفع، ومنشور الذكر، ومذخور الاجر.
     واعتمدتُ(5) به أن أبيّن عن عظيم قدر أميرالمؤمنين(عليه السلام) في هذه الفضيلة، مضافة إلى المحاسن الدّثِرَة(6)، والفضائل الجمّة.
     وأنه(عليه السلام) انفرد ببلوغ غايتها عن جميع السلف الاولين الذين إنّما يؤثر(7) عنهم منها القليل
____________
     1. المشرع: تذكير المشرعة، وهو المورد.
     2. حذاكل قائل: اقتفى واتبع.
     3. عليه مسحة: أثر أوعلامة، وكأنه يريد «بهاء منه وضياء».
     4. العبقة: الرائحة اللاصقة بالشيء والمنتشرة عنه.
     5. اعتمدت: قصدت.
     6. الدَثِرة ـ بفتح فكسر ـ : الكثيرة، وكذلك الجمة.
     7. يؤثر: أي ينقل عنهم ويحكي.


( 21 )


النادر، والشاذّ الشارد(1).
     فأما كلامه(عليه السلام) فهو البحر الذي لا يُساجَل(2)، والجمّ الذي لا يحافَل(3).
     وأردتُ أن يسوغ لي التمثّل في الافتخار به(عليه السلام) بقول الفرزدق:

أولئك أبائي فجئني بمثلهم

إذا جمعَتْنا يا جرير المجامعُ


     ورأيتُ كلامه(عليه السلام) يدور على أقطاب(4) ثلاثة:
     أولها: الخطب والاوامر.
     وثانيها: الكتب والرسائل.
     وثالثها: الحكم والمواعظ.
     فأجمعتُ(5) بتوفيق الله جلّ جلاله على الابتداء باختيار محاسن الخطب، ثم محاسن الكتب، ثم محاسن الحِكَم والادب، مفرداً لكلّ صنف من ذلك باباً، ومفضلاً فيه أوراقاً، لتكون مقدمة لا ستدراك ما عساه يشذّ عنّي عاجلاً، ويقع إليّ آجلاً.
     وإذا جاء شيء من كلامه(عليه السلام) الخارج في أثناء حوار، أوجواب سؤال، أوغرض آخر من الاغراض ـ في غير الانحاء التي ذكرتها، وقررت القاعدة عليها ـ نسبته إلى أليق الابواب به،
____________
     1. الشاذ الشارد: المنفرد الذي ليس له أمثال.
     2. لا يُساجَل: لا يغالب في الامتلاء وكثرة الماء.
     3. لا يحُافَل: لا يغالب في الكثرة، من قولهم: ضرع حافل: ممتلىء كثير اللبن، والمراد أن كلامه لا يقابل بكلام غيره لكثرة فضائله.
     4. أقطاب: أصول.
     5. أجمع عليه: عزم.


( 22 )


وأشدّها ملامحة(1) لغرضه.
     وربما جاء فيما أختارُهُ من ذلك فصول غير مُتّسِقة(2)، ومحاسن كَلِم غير منتظمة; لاني أورد النكت واللّمَع(3)، ولا أقصد التتالي والنسَق(4).
     ومن عجائبه(عليه السلام) التي انفرد بها، وأمِنَ المشاركةَ فيها، أنّ كلامه(عليه السلام)الوارد في الزهد والمواعظ، والتذكير والزواجر، إذا تأمله المتأمل، وفكر فيه المتفكر، وخلع من قلبه أنه كلام مثله ممن عظم قدره، ونفذ أمره، وأحاط بالرقاب ملكه، لم يعترضه الشك في أنه من كلام من لا حظّ له في غير الزهادة، ولا شغل له بغير العبادة، قد قبع(5) في كسر بيت(6)، أوانقطع إلى سفح جبل(7)، لا يسمع إلاّ حسّه، ولا يرى إلاّ نفسه، ولا يكاد يوقن بأنه كلامُ من ينغمس في الحرب مصْلِتاً سيفه(8)، فيقُطّ الرقاب(9)، ويُجَدِّل الابطال(10)، ويعود به ينْطُفُ(11) دَماً،
____________
     1. الملامحة: الابصار والنظر، والمراد هنا المناسبة والمشابهة.
     2. المتسق: المنتظم يتلو بعضه بعضاً.
     3. النكت: الاثار التي يتميز بها الشيء، واللمع: الاثار المميزة للاشياء بإضاءتها وبريقها.
     4. النسق: التتابع والتتالي.
     5. قبع القنفذ ـ كمنع ـ : أدخل رأسه في جلده، والرجل أدخل رأسه في قميصه، أراد منه: انزوى.
     6. كسر البيت: جانب الخباء.
     7. سفح الجبل: أسفله وجوانبه.
     8. أصلت سيفه: جرده من غمده.
     9. يقطّ الرقاب: يقطعها عرضاً، فان كان القطّ طولاً قيل: يقد.
     10. يجدل الابطال: يلقيهم على الجدالة ـ كسحابة ـ وهي وجه الارض.
     11. ينطف ـ من نطف كنصر وضرب ـ نطفاً وتنطافاً: سال.


( 23 )


ويقطر مُهَجاً(1)، وهو مع تلك الحال زاهد الزهّاد، وبدَلُ الابدال(2).
     وهذه من فضائله العجيبة، وخصائصه اللطيفة، التي جمع بها بين الاضداد، وألف بين الاشتات(3)، وكثيراً ما أُذاكر الاخوان بها، وأستخرج عجبهم منها، وهي موضع للعبرة بها، والفكرة فيها.
     وربما جاء في أثناء هذا الاختيار اللفظُ المردد، والمعنى المكرر، والعذر في ذلك أنّ روايات كلامه(عليه السلام)تختلف اختلافاً شديداً: فربما اتفق الكلام المختار في رواية فنُقِلَ على وجهه، ثم وُجد بعد ذلك في رواية أخرى موضوعاً غير موضعه الاول: إما بزيادة مختارة، أولفظ أحسن عبارة، فتقتضي الحال أن يعاد، استظهاراً للاختيار، وغَيْرةً على عقائل الكلام(4).
     وربما بَعُدَ العهدُ أيضاً بما اختير أولاً فأُعيدَ بعضُه سهواً أونسياناً، لا قصداً واعتماداً.
     ولا أدعي ـ مع ذلك ـ أنّي أحيط بأقطار جميع كلامه(5)(عليه السلام) حتّى لا يشذّ عنّي منه شاذّ،
____________
     1. المهج ـ جمع مهجة ـ : وهي دم القلب، والروح.
     2. الابدال: قوم صالحون لا تخلو الارض منهم، إذا مات منهم واحد بدل الله مكانه آخر، والواحد بدل أوبديل.
     3. الاشتات ـ جمع شتيت ـ : ما تفرق من الاشياء.
     4. عقائل الكلام: كرائمه، وعقيلة الحي: كريمته.
     5. أقطار الكلام: جوانبه.


( 24 )


ولا يَنِدُّ نادّ(1)، بل لا أبعد أن يكون القاصر عني فوق الواقع إليّ، والحاصل في رِبْقتي(2) دون الخارج من يديّ، وما عليّ إلا بذل الجهد، وبلاغ الوسع، وعلى الله سبحانه نهج السبيل(3)، وإرشاد الدليل، إن شاء الله تعالى.
     ورأيتُ من بعد تسمية هذا الكتاب بـ «نهج البلاغة» إذ كان يفتح للناظر فيه أبوابها،ويقرّب عليه طِلابها، وفيه حاجة العالم والمتعلّم، وبغية البليغ والزاهد، ويمضي في أثنائه من عجيب الكلام في التوحيد والعدل، وتنزيه الله سبحانه عن شَبَهِ الخلق، ما هو بِلال كلّ غلّة(4)، وشفاء كلّ علّة، وجِلاء كلّ شبهة.
     ومن الله سبحانه أستمدّ التوفيق والعصمة، وأتنجّزُ التسديد والمعونة، وأستعيذه من خطأ الجنان، قبل خطأ اللسان، ومن زلّة الكَلِم(5)، قبل زلّة القدم، وهو حسبي ونعم الوكيل.
    
____________
     1. الناد: المنفرد الشاذ.
     2. الربقة: عروة حبل يجعل فيها رأس البهيمة.
     3. نهج السبيل: إبانته وإيضاحه.
     4. الغلة: العطش.
     5. زلة الكلم: الخطأ في القول.