مـقـدمـة الـمـركـز
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف
الاَنبياء والمرسلين نبينا محمد وآله الطاهرين .

القرآن الكريم كتاب الله المنزّل على رسوله النبي الاَمين صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو
دستور الاِسلام الخالد (
لا يأتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَينِ يَدَيهِ ولا مِنْ خَلفِهِ
) ،
وقد أجمع المسلمون على أنّه المصدر الاَوّل في التشريع الاِسلامي ،
والمرجع الاَساس في استقاء الفكر والعقيدة والنظم والمفاهيم الاِسلامية ؛
ولذلك كلّه حرصَ الرسول الاَعظم صلى الله عليه وآله وسلم على سلامة هذا القرآن وتبليغه كما
أُنزل حرفاً بحرف وكلمة كلمة ، وكيف لا يحرص على ذلك وهو برهان
نبوته، ومعجزة الاِسلام الخالدة .
!؟

فالظروف التي أحاطت بنزول القرآن الكريم تقتضي سلامته من
مزعومة التحريف ؛ لاَنَّ الرسول الاَعظم صلى الله عليه وآله وسلم كان يأمر بتدوين النصّ
القرآني أوَّلاً بأوَّلٍ ، وقد اتخذ كُتّاباً يكتبون الوحي حين نزوله ، وكان صلى الله عليه وآله وسلم
يشرف بنفسه على وضع كلِّ آيةٍ في موضعها من السورة ، ولم يكتفِ بذلك ،
بل كان يأمر باستظهار القرآن الكريم وتعلُّمِه لينضمَّ الاستظهار إلى التدوين
في حفظ القرآن الكريم وسلامته .
( 6 )

هذا زيادة على حرص المسلمين وعنايتهم البالغة وتفانيهم من أجل أن
لا تمتد إلى القرآن الكريم يد التغيير أو التبديل حتى ولو بحرف واحد ؛ لاَنّه
دستورهم المقدس ، وكتاب ربهم تعالى الذي خاطب فيه نبيهم الاَكرم صلى الله عليه وآله وسلم
بقوله تعالى : (
وَلَو تَقَوَّلَ عَلَينا بَعضَ الاَقاوِيلِ *لاخذنا مِنهُ باليَمِينِ* ثم
لَقَطعنَا مِنهُ الوَتِينَ ) .

وقد صرّح أهل البيت عليهم السلام ـ الَّذين هم عدل الكتاب كما نطق الرسول
الاَكرم صلى الله عليه وآله وسلم في حديث الثقلين ـ بسلامة القرآن ، من الزيادة والنقصان ،
وتابعهم على ذلك أئمة أعلام الشيعة ومحققو علماء أهل السنة ، وشذّ من
شذّ لروايات لم تثبت ولم تصح سنداً ، وأمّا ما صحَّ منها فمؤول بوجه
مقبول ، ومصروف عن ظاهره قطعاً ؛ لمخالفته الاَدلة القاطعة والبراهين
الساطعة على سلامة القرآن من الزيادة والنقصان .

وهذا الكتاب يتضمّن ـ على صغر حجمه ـ بحثاً موضوعيّاً وتحقيقاً
شاملاً عن المسألة ، ويثبت (سلامة القرآن من التحريف والزيادة
والنقصان) بالاَدلة والبراهين المتقنة عند الفريقين ويعالج أهم الشبهات
المثارة معالجة دقيقة موضوعية .

فإليك ـ عزيزي القارئ ـ يقدّم مركزنا اصداره الثاني هذا ، خدمةً
للقرآن العظيم وإيفاءً بالعهد في تقديم الزاد الفكري الرصين .
والله وليّ التوفيق .
مركز الرسالة
( 7 )
المقدِّمة

(
الحمدُ للهِ الّذي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ وَلَم يَجْعَل لَهُ عِوَجاً * قَيِّماً
لِيُنذِرَ بأساً شَدِيداً مِن لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ المُؤمِنِينَ الَّذِينَ يَعمَلُون الصَّالحاتِ أنَّ لَهُم
أجْراً حَسَناً ) ،
(الكهف 18 : 2 ـ 1)

وأفضل الصلاة وأتمّ التسليم على رسوله الذي أرسله
بالهُدى ودين الحقّ ليُظهِرهُ على الدين كُلّه ولو كرِه المشركون ، وعلى أهل
بيته المنتجبين ، حَمَلة القُرآن وقُرنائه إلى يوم الدين .

(
كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبيرٍ )
(هود 11 : 1).

(
لايَأتِيهِ البَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيهِ وَلا مِن خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَميدٍ)
(فصلت 41: 42).

(
ذلِكَ الكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ) .
(البقرة 2: 2).

(
نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى
لِلْمُسْلِمينَ ) .
(النحل16: 102)

(
ما كانَ حَدِيثاً يُفْترَى وَلكِن تَصْدِيِقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفصِيلَ كُلِّ شَيءٍ
وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْم يُؤمِنُونَ ) .
(يوسف12: 111.)

وبعد :

فإنّ القرآن الكريم الموجود بين أيدينا هو الكتاب الذي أنزله الله تعالى
( 8 )
على نبيّه محمّد صلى الله عليه وآله وسلم للاعجاز والتحدّي ، وتعليم الأَحكام ، وتمييز
الحلال من الحرام ، وقد كان مجموعاً على عهد الوحي والنبوة على ما هو
عليه الآن من عدد سوره وآياته ، وهو متواتر بجميع سوره وآياته وكلماته
تواتراً قطعياً باتفاق كلمة مذاهب المسلمين وفرقهم .

وقد توهّم البعض وقوع التحريف في كتاب الله العزيز استناداً إلى
جملة من الاَخبار الظاهرة في نقص القرآن ، وهي إمّا أخبار غير معتبرة
سنداً ، أو إنّها أخبار آحاد لا تفيد علماً ولا عملاً ، أو إنّها مؤوّلة بنحوٍ من
الاعتبار ، وإلاّ فقد نصّ المحقون من علماء المسلمين على أن يُضْرَب بها
الجِدار .
( 9 )
معنى التحريف
التحريف لغةً :

حرف الشيء : طرفه وجانبه ، وتحريفه : إمالته والعدول به عن موضعه
إلى طرفٍ أو جانب . قال تعالى : (
وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ الله عَلَى حَرْفٍ) . (الحج 22: 11)
قال الزمخشري : أي على طرفٍ من الدين لافي وسطه وقلبه ، وهذا مثلٌ
لكونهم على قلقٍ واضطرابٍ في دينهم ، لاعلى سكونٍ وطمأنينة (1) .
التحريف اصطلاحاً :
أمّا التحريف في الاِصطلاح فله معانٍ كثيرة :

منها : التحريف الترتيبي : أي نقل الآية من مكانها إلى مكان آخر ،
سواء كان هذا النقل بتوقيف أو باجتهاد ، فلا خلاف في وقوعه ، إذ كم من
آية مكّية بين آيات مدنيّة ، وبالعكس .

ومنها : التحريف المعنوي : ويراد به حمل اللفظ على معانٍ بعيدة عنه
لم ترتبط بظاهره ، مع مخالفتها للمشهور من تفسيره ، وهذا النوع واقع في
القرآن ، وذلك عن طريق تأويله من غير علم ، وهو محرّم بالاِجماع
____________
(1) الكشاف 3 : 146 .
( 10 )
لقوله صلى الله عليه وآله وسلم : « من قال في القرآن بغير علم فليتبوّأ مقعده من النار (1) « وهو
من التفسير بالرأي المنهي عنه ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « من فسَّر القرآن
برأيه وأصاب الحق فقد أخطأ (2) « وهذا المعنى منحدر عن الاَصل
اللغوي لتحريف الكلام .

ومنها : التحريف اللفظي ، وهو على أقسام :

منها : التحريف بالزيادة والنقصان ، وهو على ثلاثة أنحاء :

أ ـ تحريف الحروف أو الحركات ، وهذا راجع إلى القراءات القرآنية ،
وهو باطل إلاَّ في ألفاظ قليلة كقراءة قوله تعالى : (
وَامْسَحُواْ بِرُؤُسِكُمْ
وَأرْجُلَكُمْ) (3) بكسر لفظة الاَرجل ونصبها ، وغيرها ممّا لم يخالف أُصول
العربية وقراءة جمهور المسلمين ، وورد به أثر صحيح .

ب ـ تحريف الكلمات ، وهو إمَّا أن يكون في أصل المصحف ، وهو
باطل بالاِجماع ، وإمَّا أن تكون زيادة لغرض الاِيضاح لما عساه يشكل في
فهم المراد من اللفظ ، وهو جائز بالاتفاق .

ج ـ تحريف الآيات أو السور ، وهو باطل بالاِجماع (4) .

1 ـ التحريف بالزيادة : بمعنى أنّ بعض المصحف الذي بين أيدينا
____________
(1) التبيان للطوسي 1 : 24 ، الاِتقان للسيوطي 4 : 210 .
(2) التبيان للطوسي 1 : 4 .
(3) المائدة 5 : 6 .
(4) توجد أنحاء أُخر من التحريف راجعة ـ بشكل أو بآخر ـ إلى ما ذكرناه . أُنظر : البيان في تفسير
القرآن للسيد الخوئي : 215 .
( 11 )
ليس من الكلام المنزل ، والتحريف بهذا المعنى باطلٌ بإجماع المسلمين ،
بل هو ممّا عُلِم بطلانه بالضرورة ، لاَنّه يعني أنّ بعض مابين الدفّتين ليس
من القرآن ، ممّا ينافي آيات التحدّي والاعجاز ، كقوله تعالى : (
قُل لئنِ
اجتَمَعَتِ الاِنسُ والجِنُّ عَلَى أن يأتُوا بمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يأتُونَ بِمِثْلِهِ وَلوْ كانَ
بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ) (1) (لإسراء17: 88).

2 ـ التحريف بالنقص : بمعنى أنّ بعض المصحف الذي بين أيدينا
لايشتمل على جميع القرآن الذي نزل من السماء ، بأنْ يكون قد ضاع
بعض القرآن على الناس إمّا عمداً ، أو نسياناً ، وقد يكون هذا البعض كلمةً
أو آية أو سورة ، والتحريف بهذا المعنى هو موضوع البحث حيثُ ادّعى
البعض وقوعه في القرآن الكريم استناداً إلى أحاديث هي بمجملها إمّا
ضعيفة سنداً ، أو مؤولة بوجهٍ يُخْرِجها عن إفادة ذلك ، وإلاّ فهي أحاديثٌ
وأخبارٌ مدسوسةٌ وباطلةٌ ، قد أعرض عنها محققو المسلمين على مرّ
العصور ، على ما سيأتي بيانه في ثنايا هذا البحث .
( 13 )
أدلّة نفي التحريف

إنّ مصونية القرآن الكريم من التحريف بمعنى النقيصة هي من الاَُمور
البديهية الثابتة على صفحات الواقع التاريخي ، والتي لا تحتاج إلى مزيد
استدلالٍ وتوضيحٍ وبيان ، حتّى إنّ بعض المنصفين من علماء وأساتذة
غير المسلمين صرّحوا بعدم وقوع التحريف في القرآن الكريم ؛ فالاستاذ
لوبلو يقول : «إنّ القرآن هو اليوم الكتاب الربّاني الوحيد الذي ليس فيه أي
تغيير يذكر» (1) .

ويقول السير وليام موير : «إنّ المصحف الذي جمعه عثمان قد تواتر
انتقاله من يدٍ ليدٍ حتّى وصل إلينا بدون تحريفٍ ، وقد حُفِظ بعنايةٍ شديدةٍ
بحيث لم يطرأ عليه أي تغييرٍ يُذكَر ، بل نستطيع القول أنّه لم يطرأ عليه أيّ
تغييرٍ على الاطلاق في النسخ التي لا حصر لها والمتداولة في البلاد
الاِسلامية الواسعة» (2) . وبمثل ذلك صرّح بلاشير أيضاً (3) .

وقد أستدلّ العُلماء المحقّقون على عدم وقوع التحريف في القرآن
بجملة من الاَدلّة الحاسمة ، هي من القوّة والمتانة بحيث يسقط معها ما دلّ
على التحريف بظاهره عن الاعتبار ، لو كان معتبراً ، ومهما بلغ في الكثرة ،
____________
(1) تاريخ القرآن للصغير : 94 عن كتاب : المدخل إلى القرآن لمحمد عبدالله دراز : 39 ـ 40 .
(2) تاريخ القرآن للصغير : 93 .
(3) القرآن نزوله ، تدوينه ، ترجمته وتأثيره لبلاشير : 37 .
( 14 )
وتدفع كلّ ما أُلصق بجلال وكرامة القرآن الكريم من زعم التحريف وتُفنّد
القول بذلك وتُبطِله حتّى لو ذهب إليه الكثيرون فضلاً عن القلّة النادرة
الشاذّة ، وفيما يلي نذكر أهمّها :

1 ـ حِفظ الله سبحانه للقرآن الكريم ، ولذا لم يتّفق لاَمرٍ تاريخي من بداهة
البقاء مثلما اتّفق للقرآن الكريم ، فهو الكتاب السماوي الوحيد الذي تعهّدت
المشيئة الاِلهية ببقائه مصوناً من تلاعب أهل الاَهواء ومن التحريف وإلى
الاَبد حيثُ قال تعالى : (
إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكرَ وإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر15: 9).

فالمراد بالذكر ـ كما يقول المفسّرون ـ في هذه الآية : القرآن الكريم ،
وصيانة القرآن من التحريف من أبرز مصاديق الحفظ المصُرّح به في هذه
الآية ، ولولا أن تكفّل الله تعالى بحفظ القرآن الكريم وصيانته عن الزيادة
والنقصان لدُسّ فيه ما ليس منه ، كما دُسّ في الكتب المتقدّمة المنزلة من
عند الله ، فلم يبقَ فيها سوى مادخل عليها من ركيك الكلام وباطل القول ،
ولكن الكتاب الكريم قد نفى كلّ غريب ، وسلم من الشوائب والدخل ،
فلم يبق إلاّ كلام الربّ سليماً صافياً محفوظاً .

2 ـ نفي الباطل بجميع أقسامه عن الكتاب الكريم بصريح قوله تعالى :
(
وَإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ * لا يأتِيهِ البَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ
حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) (فصلت 41: 41 ـ 44).

والتحريف من أظهر مصاديق الباطل المذكور في الآية ، وعليه فالقرآن
مصونٌ عن التحريف وعن أن تناله يد التغيير منذ نزوله وإلى يوم القيامة ،
لاَنّه تنزيلٌ من لدن حكيم حميد ، ويشهد لدخول التحريف في الباطل
( 15 )
الذي نفته الآية عن الكتاب ، أنّ الآية وصفت الكتاب بالعِزّة ، وعزّة الشيء
تقتضي المحافظة عليه من التغيير والضياع والتلاعب ، ومن التصرف فيه
بما يشينه ويحطّ من كرامته وإلى الاَبد .
3 ـ قوله تعالى
: ( إنَّ عَلَينا جَمعَهُ وقُرآنَهُ * فإذا قَرَأناهُ فَاتَّبِعْ قُرآنَهُ * ثُمَّ إنَّ
عَلَينا بَيَانَهُ ) (القيامة 75: 17 ـ 19).
فعن ابن عباس وغيره : إنّ المعنى : إنّ علينا جَمْعَهُ وقُرآنَهُ عليك حتّى
تحفظه ويمكنك تلاوته ، فلا تخف فوت شيءٍ منه (1) .
4 ـ حديث الثقلين ، حيث تواتر من طرق الفريقين أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
قال : « إنّي تاركٌ فيكم الثقلين : كتابُ الله ، وعترتي أهل بيتي ، ما إنّ تمسّكتم
بهما لن تضلّوا بعدي » (2) .
وهذا يقتضي أن يكون القرآن الكريم مدوّناً في عهده صلى الله عليه وآله وسلم بجميع
آياته وسوره حتّى يصحّ إطلاق اسم الكتاب عليه ، ويقتضي أيضاً بقاء
القرآن كما كان عليه على عهده صلى الله عليه وآله وسلم إلى يوم القيامة لتتمّ به ـ وبالعترة ـ
الهداية الاَبدية للاَُمّة الاِسلامية والبشرية جمعاء ماداموا متمسّكين بهما ،
وإلاّ فلا معنى للاَمر باتّباع القرآن والرجوع إليه والتمسّك به ، إذا كان الآمر
____________
(1) مجمع البيان 10 : 600 .
(2) هذا الحديث متواتر مشهور ، رواه الحفّاظ والمحدّثون عن نحو ثلاثين صحابياً ، وللحافظ ابن
القيسراني (448 ـ 507 هـ) كتاب في طرق هذا الحديث ، وقد بحث السيد علي الميلاني هذا
الحديث سنداً ودلالة في ثلاثة أجزاء من كتابه (نفحات الازهار في خلاصة عبقات الاَنوار في
إمامة الاَئمة الاَطهار) ، وأُنظر أهل البيت في المكتبة العربية رقم 298 للسيد عبدالعزيز
الطباطبائي رضي الله عنه .
( 16 )
يعلم بأنّ قرآنه سيُحرّف ويبدّل في يومٍ ما !

5 ـ الاَحاديث الآمرة بعرض الحديث على الكتاب ، ليُعرَف بذلك
الصحيح منه فيُؤخذ به ، والسقيم فيُتْرَك ويُعْرَض عنه ، وهي كثيرة ، منها :
حديث الاِمام الصادق عليه السلام ، قال : « خطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمنى فقال : أيُّها
الناس ، ما جاءكم عنّي يوافق كتاب الله فأنا قُلتُه ، وما جاءكم يخالف كتاب
الله فلم أقُله » (1) .

وعنه أيضاً بسندٍ صحيح ، قال عليه السلام : « إذا ورد عليكم حديثان مختلفان ،
فأعرضوهما على كتاب الله ، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله
فردّوه » (2) .

وهذه القاعدة تتنافى تماماً مع احتمال التحريف في كتاب الله ، لاَنّ
المعروض عليه يجب أن يكون مقطوعاً به ، لاَنّه المقياس الفارق بين الحقّ
والباطل ، فلا موضع للشكّ في نفس المقياس ، ولولا أنّ سور القرآن وآياته
مصونة من التحريف ومحفوظة من النقصان منذ عصر الرسالة الاَوّل وإلى
الاَبد ، لما كانت هذه القاعدة ، ولا أمكن الركون إليها والوثوق بها .

قال المحقق الكركي المتوفّى سنة (940 هـ) في رسالته التي أفردها لنفي
النقيصة عن القرآن الكريم : «لا يجوز أن يكون المراد بالكتاب المعروض
عليه غير هذا المتواتر الذي بأيدينا وأيدي الناس ، وإلاّ لزم التكليف بما
لايطاق ، فقد وجب عرض الاَخبار على هذا الكتاب ، وأخبار النقيصة إذا
عُرِضت عليه كانت مخالفة له ، لدلالتها على أنّه ليس هو ، وأيّ تكذيب
____________
(1) الكافي 1 : 69 | 5 .
(2) الوسائل 27 : 118 | 62 ،333 تحقيق مؤسسة آل البيت عليهم السلام .
( 17 )
يكون أشدّ من هذا» (1) .

6 ـ إنّ ثبوت قرآنية كلّ سور القرآن وآياته ، لا يتمّ إلاّ بالتواتر القطعي
منذ عهد الرسالة وإلى اليوم ، ممّا يقطع احتمال التحريف نهائياً ، لاَنّ
ماقيل بسقوطه من القرآن نقل إلينا بخبر الواحد ، وهو غير حجةٍ في ثبوت
قرآنيته ، حتّى مع فرض صحّة إسناده .

قال الحرّ العاملي المتوفّى سنة (1104 هـ) : «إنّ من تتبّع أحاديث أهل
البيت عليهم السلام ، وتصفّح التأريخ والآثار ، عَلِم علماً يقينياً أنّ القرآن قد بلغ
أعلى درجات التواتر ، فقد حِفِظه الاَُلوف من الصحابة ونقله الاَُلوف ،
وكان منذ عهده صلى الله عليه وآله وسلم مجموعاً مؤلّفاً». (2)

وقال الشيخ محمد جواد البلاغي المتوفّى سنة (1352 هـ) : «ومن أجل
تواتر القرآن الكريم بين عامّة المسلمين جيلاً بعد جيل ، استمرّت مادته
وصورته وقراءته المتداولة على نحوٍ واحد» (3) .

7 ـ إجماع العلماء على عدم التحريف إلاّ من لا اعتداد به ، كما صرّح
بذلك المحقّق الكلباسي المتوفى سنة (1262 هـ ) بقوله : «انّ الروايات الدالّة
على التحريف مخالفةٌ لاجماع الاَُمّة إلاّ من لا اعتداد به» (4) .

وقال الشيخ جعفر كاشف الغطاء ، المتوفّى سنة (1228 هـ) في (كشف
____________
(1) أورده السيد محسن البغدادي في (شرح الوافية) عن المحقق الكركي ، أُنظر البرهان ، للميرزا
مهدي البروجردي : 116 ـ 117 .
(2) الفصول المهمة ـ للسيد شرف الدين: 166.
(3) آلاء الرحمن 1 : 29 ، المقدمة .
(4) البيان في تفسير القرآن : 234 .
( 18 )
الغطاء) : «جميع ما بين الدفّتين ممّا يُتلى كلام الله تعالى ، بالضرورة من
المذهب ، بل الدين وإجماع المسلمين ، وأخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم والاَئمة
الطاهرين عليهم السلام ، وإن خالف بعض من لايُعتدّ به» (1) .

8 ـ إنّ التحريف ينافي كون القرآن المعجزة الكبرى الباقية أبد الدهر .

قال العلاّمة الحلّي المتوفّى سنة (726 هـ ): «إنّ القول بالتحريف يوجب
التطرّق إلى معجزة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المنقولة بالتواتر» (2) . وذلك لفوات
المعنى بالتحريف ، ولاَنّ مدار الاِعجاز هو الفصاحة والبلاغة الدائرتان
مدار المعنى ، وبالنتيجة لا إعجاز حينما يوجد التحريف. فاحتمال الزيادة
أو التبديل باطل ، لاَنّه يستدعي أن يكون باستطاعة البشر إتيان ما يماثل
القرآن ، وهو مناقض لقوله تعالى : (
وَإن كُنْتُم في رَيْبٍ ممّا نَزَّلنا عَلى عَبْدِنا
فأتُوا بسورَةٍ من مِثْلِهِ )(البقرة2: 23 )ولغيرها من آيات التحدي . وكذلك احتمال
النقص بإسقاط كلمة أو كلمات ضمن جملةٍ واحدةٍ منتظمةٍ في أُسلوب
بلاغي بديع ، فإنّ حذف كلمات منها سوف يؤدّي إلى إخلال في نظمها ،
ويذهب بروعتها الاَُولى ، ولايَدَع مجالاً للتحدّي بها .

9 ـ ثبوت كون القرآن الكريم مجموعاً على عهد الرسول الاَعظم صلى الله عليه وآله وسلم ،
كما يدلّ على ذلك كثيرٌ من الاَخبار في كتب الفريقين، حيث كان صلى الله عليه وآله وسلم يأمر
أصحابه بقراءة القرآن وتدبّره وحفظه ، وعرض مايُروى عنه صلى الله عليه وآله وسلم عليه ،
كما أنّ جماعة من الصحابة ختموا القرآن على عهده وتلوه وحفظوه، وأنّ
جبرئيل عليه السلام كان يعارضه صلى الله عليه وآله وسلم بالقرآن كلّ عامٍ
____________
(1) كشف الغطاء : 298 .
(2) أجوبة المسائل المهناوية : 121 .
( 19 )
مرة ، وقد عارضه به عام وفاته مرتين ، وهذا الدليل يُسقِط جميع مزاعم
القائلين بالتحريف والتغيير ، وما تذرّعوا به من أنّ كيفية جمع القرآن
ومراحل ذلك الجمع ، تستلزم في العادة وقوع هذا التحريف والتغيير فيه ؛
وسنأتي على تفصيل ذلك في موضوع جمع القرآن بإذن الله تعالى .

10 ـ اهتمام النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين بالقرآن ، فقد كان (ص) حريصاً على نشر
سور القرآن بين المسلمين بمجرد نزولها ، مؤكّداً عليهم حفظها ودراستها
وتعلّمها ، مبيّناً فضل ذلك وثوابه وفوائده في الدنيا والآخرة ، وقد بذل
المسلمون عناية فائقة واهتماماً متواصلاً بكلام الله المجيد بشكل لم يسبق له
مثيل في الكتب السماوية السابقة ، فكان كلّما نزل شيءٌ من القرآن هَفَت إليه
القلوب ، وانشرحت له الصدور ، وهَبَّ المسلمون إلى حفظه وتلاوته ، بما
امتازوا به من قُوّة حافظة فطرية ، لاَنّ شعار الاِسلام وسمة المسلم حينئذٍ هو
التجمّل والتكمّل بحفظ القرآن الكريم ، معجزة النبوّة الخالدة ، ومرجع
الاَحكام الشرعية ، واستمروّا على ذلك حتّى صاروا منذ صدر الاِسلام
يُعَدّون بالاَُلوف وعشراتها ومئاتها ، وكلّهم من حَمَلة القرآن وحُفّاظه وكُتّابه ،
فكيف يُتَصوّر سقوط شيءٍ منه والحال هذه؟!

11 ـ دقّة وتحرّي المسلمين لاَي طارىءٍ جديدٍ في القران ، حيثُ إنّ
العناية قد اشتدّت ، والدواعي قد توفّرت لحفظ القرآن وحراسته حتّى في
حروفه وحركاته ، ويكفي أن نذكر أنّ عثمان حينما كتب المصاحف ، أراد
حذف حرف الواو من (والَّذِينَ) في قوله تعالى (
وَالَّذِينَ يَكنِزُونَ الذَّهَبَ
وَالفِضَّةَ ولا يُنفِقُونَها في سَبِيلِ اللهِ...(التوبة9: 34 )
. فقال أُبيّ : لتلحقنّها أو
( 20 )
لاَضعنّ سيفي على عاتقي ؛ فألحقوها (1) .

وروي أيضاً أنّ عمر بن الخطّاب قرأ (
والسَّابقُونَ الاولُونَ مِن المُهاجِرينَ
وَالاَنْصَار الَّذِينَ اتَّبَعُوهُم باحْسَانٍ )(التوبة9: 100) فرفع (الانصار) ولم يلحق الواو في (الذين) فقال له زيد بن ثابت : (
وَالَّذِينَ
اتَّبَعُوهُم باحْسَانٍ )! فقال عمر : (الَّذِينَ اتَّبَعُوهُم باحْسَانٍ) . فقال زيد : أمير
المؤمنين أعلم . فقال عمر : ائتوني بأُبيّ بن كعب ، فأتاه فسأله عن ذلك ،
فقال أُبيّ : (وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهم باحْسَانٍ ) فقال عمر : فنعم ، إذن نتابع أُبيّاً (2) .
فإذا كان الخليفة لا يستطيع أن يحذف حرفاً ، فهل يجرؤ غيره على
التصرّف بزيادةٍ أو حذفِ آياتٍ أو سورٍ من القرآن وتحريفها ؟!

12 ـ ويمنع من دعوى التحريف ، الواقع التاريخي أيضاً ، فإنّه إن كان
التحريف في زمان النبي صلى الله عليه وآله وسلم فهو غير معقول بعد أن كان يشرف بنفسه
على كتابته وحفظه وتعليمه ، ويُعْرَض عليه مرات عديدة .

وإنّ كان بعد زمانه صلى الله عليه وآله وسلم وعلى يد السلطة الحاكمة ، أو على يد غيرها ،
فلم يكن يسع أمير المؤمنين عليه السلام والخيرة من صحابة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم
السكوت على هذا الاَمر الخطير الذي يمسّ أساس الاِسلام ، ويأتي على
بنيانه من القواعد ، ولو كان ذلك لاحتجّ به الممتنعون عن بيعة أبي بكر
وعمر والمعترضون عليهما في أمر الخلافة ، كسعد بن عبادة وأصحابه ،
ولكان على أمير المؤمنين عليه السلام وسائر الصحابة أن يُظْهِروا القرآن الحقيقي ،
ويبيّنوا مواضع التحريف في هذا الموجود وإن حدث ما حدث ، لكنّنا لم
____________
(1) الدرّ المنثور 4 : 179 .
(2) تفسير الطبري 11 : 7 ، الدر المنثور 4 : 268 .
( 21 )
نجد ذكراً لذلك ، لا في خطبة أمير المؤمنين عليه السلام المعروفة بالشقشقية ،
ولافي غيرها من خُطبَهِ وكلماته وكتبه التي اعترض بها على من تقدّمه ،
ولافي خطبة الزهراء عليها السلام المعروفة بمحضر أبي بكر ، كما لم نجد أحداً
من الصحابة أو من غيرهم ، قد طالبهما بإرجاع القرآن إلى أصله الذي كان
يُقْرَأ به في زمان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو نبّه على حدوث التحريف ومواطنه ، وفي
ترك ذِكر ذلك دلالةٌ قطعيةٌ على عدم التحريف .

أمّا دعوى وقوع التحريف في زمن عثمان ، فهو أمر في غاية البُعد
والصعوبة ، لاَنّ القرآن في زمانه كان قد انتشر وشاع في مختلف أرجاء
البلاد ، وكثر حُفّاظه وقُرّاؤه ، وإنّ أقلّ مساسٍ بحرمة القرآن لسوف يُثير
الناس ضدّه ، ويُوجِب الطعن عليه وإدانته بشكلٍ قويّ ومعلنٍ ، ولا سيما
من الثائرين عليه الذين جاهروا بإدانته فيما هو أقلّ أهميةً وخطراً بكثير
من التحريف ، لكنّنا لم نسمع أحداً طعن عليه في ذلك ، فهل خفيت هذه
الآيات أو السور التي يُدّعى سقوطها من القرآن ، على عامّة المسلمين ،
ولم يطّلع عليها سوى أفراد قلائل ؟!

ولو كان ذلك لكان على أمير المؤمنين عليه السلام إظهار هذا الاَمر ، وإرجاع
الناس إلى القرآن الحقيقي بعد أن صار خليفةً وحاكماً ، ولم يعد ثمّة
مايمنع من ذلك ، وليس عليه شيء يُنْتَقَد به ، بل ولكان ذلك أظهر لحُجّته
على الثائرين بدم عثمان . فكيف صحّ منه عليه السلام وهو الرجل القويّ الذي فقأ
عين الفتنة أن يهمل هذا الاَمر الخطير ، وهو الذي أصرّ على إرجاع القطائع
التي أقطعها عثمان ، وقال في خطبةٍ له عليه السلام : « والله لو وجدته قد تُزوِّج به
النساء وُملِك به الاِماء لرددته ، فانّ في العدل سَعَة ، ومن ضاق عليه العدل
( 22 )
فالجور عليه أضيق » (1) . مع أنّ ذلك أقلّ أهمية وخطورة من أمر تحريف
القرآن بكثير ؟! إذن فإمضاؤه عليه السلام للقرآن الموجود في عصره دليلٌ قاطعٌ
على عدم وقوع التحريف فيه .

13 ـ اهتمام أهل البيت عليهم السلام البالغ في القرآن الكريم وحثُّ أصحابهم
على تلاوة القرآن الكريم وختمه ، وبيانهم عليهم السلام لمنزلة قارىء القرآن تارة ،
وفضائل القرآن تارة أُخرى ، كُلّ ذلك يدلُّ على نفي التحريف ، لعدم توجّه
مثل هذه العناية إلى كتاب محرّف .

14 ـ اعتقاد الكل بكون القرآن حجّة بالغة ينافي التحريف من كلِّ
وجه، ولا يعقل اتخاذ ماهو محرّف حجة ، ولو فرض حصول التحريف
لسقط الاستدلال به لاحتمال التحريف بالدليل ، ولا يوجد فرد واحد قط
استدل بالقرآن وأشكل عليه آخر بتحريف الدليل .

15 ـ وأخيراً فإنّ صلاة الاِمامية بمجرّدها دليلٌ على نفي التحريف في
كتاب الله العزيز ؛ لاَنّهم يوجبون بعد فاتحة الكتاب ـ في كلِّ من الركعة
الاَولى والركعة الثانية من الفرائض الخمس ـ سورةً واحدةً تامّة غير الفاتحة
من سائر السور التي بين الدفتين ، وفقههم صريح بذلك ، فلولا أنّ سور
القرآن بأجمعها كانت في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ما هي الآن عليه في
الكيفية والكمية ما تسنّى لهم هذا القول ، ولا أمكن أن يقوم لهم عليه
دليل.
____________
(1) نهج البلاغة ـ صبحي الصالح : 57 الخطبة 15 .
( 23 )
اللفصل الثاني الاَئمّة من علماء الشيعة ينفون التحريف

إنّ المشهور بين علماء الشيعة ومحققيهم ، والمتسالم عليه بينهم ، هو
القول بعدم التحريف في القرآن الكريم ، وقد نصّوا على أنّ الذي بين
الدفّتين هو جميع القرآن المُنْزَل على النبيّ الاَكرم صلى الله عليه وآله وسلم دون زيادة أو
نقصان ، ومن الواضح أنّه لا يجوز إسناد عقيدةٍ أو قولٍ إلى طائفةٍ من
الطوائف إلاّ على ضوء كلمات أكابر علماء تلك الطائفة ، وباعتماد
مصادرها المعتبرة ، وفيما يلي نقدّم نماذج من أقوال أئمة الشيعة الاِمامية
منذ القرون الاُولى وإلى الآن ، لتتّضح عقيدتهم في هذه المسألة بشكل
جلي :

1 ـ يقول الاِمام الشيخ الصدوق ، محمّد بن علي بن بابويه القمي ،
المتوفّى سنة (381 هـ) في كتاب (الاعتقادات) : «اعتقادنا أنّ القرآن الذي
أنزله الله على نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم هو مابين الدفّتين ، وهو ما في أيدي الناس ، ليس
بأكثر من ذلك ، ومبلغ سوره عند الناس مائة وأربع عشرة سورة.. ومن
نسب إلينا أنّا نقول إنّه أكثر من ذلك فهو كاذب» (1) .

2 ـ ويقول الاِمام الشيخ المفيد ، محمّد بن محمّد بن النعمان ، المتوفّى
سنة (413 هـ) في (أوائل المقالات) : «قال جماعة من أهل الاِمامة : إنّه لم
ينقص من كَلِمة ولا من آية ولا من سورة ، ولكن حُذِف ما كان مثبتاً في
____________
(1) الاعتقادات : 93 .
( 24 )
مصحف أمير المؤمنين عليه السلام من تأويله وتفسير معانيه على حقيقة تنزيله ،
وذلك كان ثابتاً منزلاً ، وإن لم يكن من جملة كلام الله تعالى الذي هو
القرآن المعجز ، وعندي أنّ هذا القول أشبه ـ أي أقرب في النظر ـ مِن مقال
من أدّعى نقصان كَلِمٍ من نفس القرآن على الحقيقة دون التأويل ، وإليه
أميل» (1) .

وفي (أجوبة المسائل السروية) ، قال : «فان قال قائل : كيف يصحّ القول
بأنّ الذي بين الدفّتين هو كلام الله تعالى على الحقيقة من غير زيادة فيه
ولانقصان ، وأنتم تروون عن الاَئمّة عليهم السلام أنّهم قرأوا «كنتم خير أئمّة
أُخرجت للناس» ، «وكذلك جعلناكم أئمّة وسطاً» . وقرأوا «يسألونك
الاَنفال» . وهذا بخلاف ما في المصحف الذي في أيدي الناس ؟

قيل له : إنّ الاَخبار التي جاءت بذلك أخبار آحاد لايُقْطَع على الله
تعالى بصحّتها ، فلذلك وقفنا فيها ، ولم نعدل عمّا في المصحف الظاهر ،
على ما أُمِرنا به (2) حسب مابيّناه مع أنّه لايُنْكر أن تأتي القراءة على
وجهين منزلين ، أحدهما : ما تضمّنه المصحف ، والثاني : ما جاء به
الخبر، كما يعترف به مخالفونا من نزول القرآن على أوجهٍ شتّى» (3) .

3 ـ ويقول الاِمام الشريف المرتضى ، عليّ بن الحسين الموسوي ،
المتوفّى سنة (436 هـ) في (المسائل الطرابلسيات) : «إنّ العلم بصحّة نقل
القرآن ، كالعلم بالبلدان والحوادث الكبار والوقائع العظام ، والكتب
____________
(1) أوائل المقالات : 55 .
(2) روي عن الصادق عليه السلام أنه قال : «اقرءوا كما عُلّمتم...» ، وقال عليه السلام : «اقرءُوا كما يقرأ
الناس».
(3) المسائل السروية : 83 تحقيق الاستاذ صائب عبدالحميد .
( 25 )
المشهورة ، وأشعار العرب المسطورة ، فإنّ العناية اشتدّت ، والدواعي
توفرت على نقله وحراسته ، وبلغت إلى حدّ لم يَبْلُغه في ما ذكرناه ؛ لاَنّ
القرآن معجزة النبوّة ، ومأخذ العلوم الشرعية والاَحكام الدينية ، وعلماء
المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية حتّى عرفوا كلّ شيءٍ
اختلف فيه من إعرابه وقراءته وحروفه وآياته ، فكيف يجوز أن يكون
مغيّراً أو منقوصاً مع العناية الصادقة والضبط الشديد ؟!

وقال أيضاً : إنّ العلم بتفضيل القرآن وأبعاضه في صحّة نقله كالعلم
بجملته ، وجرى ذلك مجرى ماعُلِم ضرورةً من الكتب المصنّفة ككتابي
سيبويه والمزني ، فإنّ أهل العناية بهذا الشأن يعلمون من تفصيلها
مايعلمونه من جملتها ، حتّى لو أنّ مُدْخِلاً أدخل في كتاب سيبويه باباً
ليس من الكتاب لُعرِف ومُيّز ، وعُلِم أنّه مُلْحَقٌ وليس من أصل الكتاب ،
وكذلك القول في كتاب المزني ، ومعلومٌ أنّ العناية بنقل القرآن وضبطهِ
أصدق من العناية بضبط كتاب سيبويه ودواوين الشعراء» .

وذكر : «أنّ من خالف في ذلك من الاِمامية والحشوية لايعتدّ بخلافهم ،
فإنّ الخلاف في ذلك مضافٌ إلى قومٍ من أصحاب الحديث ، نقلوا أخباراً
ضعيفة ظنّوا صحّتها ، لايرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على
صحّته» (1)

وذكر ابن حزم أنّ الشريف المرتضى كان يُنكر من زعم أنّ القرآن بُدّل ،
أو زيد فيه ، أو نُقِص منه ، ويكفّر من قاله ، وكذلك صاحباه أبو يعلى
____________
(1) مجمع البيان 1 : 83 .
( 26 )
الطوسي وأبو القاسم الرازي (1) .

4 ـ ويقول الاِمام الشيخ الطوسي ، محمد بن الحسن ، المعروف بشيخ
الطائفة ، المتوفّى سنة (460 هـ) في مقدمة تفسيره (التبيان) : «المقصود من
هذا الكتاب علم معانيه وفنون أغراضه ، وأمّا الكلام في زيادته ونقصانه
فممّا لا يليق به أيضاً ، لاَنّ الزيادة فيه مجمعٌ على بطلانها ، والنقصان منه
فالظاهر أيضاً من مذهب المسلمين خلافه ، وهو الاَليق بالصحيح من
مذهبنا ، وهو الذي نصره المرتضى رحمه الله ، وهو الظاهر من الروايات ، غير أنّه
رُويت روايات كثيرة من جهة الخاصّة والعامّة بنقصان كثير من آي القرآن ،
ونقل شيءٍ من موضع إلى موضع ، طريقها الآحاد التي لاتُوجِب علماً ولا
عملاً ، والاَولى الاعراض عنها وترك التشاغل بها ، لاَنّه يمكن تأويلها ، ولو
صَحّت لماكان ذلك طعناً على ماهو موجودٌ بين الدفّتين ، فإنّ ذلك
معلومٌ صحّته لايعترضه أحدٌ من الاَُمّة ولا يدفعه» (2) .

5 ـ ويقول الاِمام الشيخ الطبرسي ، أبو علي الفضل بن الحسن المتوفى
سنة (548 هـ )، في مقدمة تفسيره (مجمع البيان) : «ومن ذلك الكلام في
زيادة القرآن ونقصانه ، فانّه لا يليق بالتفسير ، فأمّا الزيادة فمجمعٌ على
بطلانها ، وأمّا النقصان منه فقد روى جماعة من أصحابنا وقوم من حشوية
العامّة أنّ في القرآن تغييراً ونقصاناً ؛ والصحيح من مذهب أصحابنا
خلافه، وهو الذي نصره المرتضى ، واستوفى الكلام فيه غاية
____________
(1) الفصل في الملل والنحل 4 : 182 .
(2) التبيان 1 : 3 .
( 27 )
«الاستيفاء» (1) .

6 ـ ويقول الاِمام العلاّمة الحلي ، أبو منصور الحسن بن يوسف بن
المطهر ، المتوفّى( سنة 726 هـ) في (أجوبة المسائل المهناوية) حيثُ سُئل
ما يقول سيدنا في الكتاب العزيز ، هل يصحّ عند أصحابنا أنّه نقص منه
شيءٌ ، أو زِيد فيه ، أو غُيِّر ترتيبه ، أم لم يصحّ عندهم شيءٌ من ذلك ؟

فأجاب : «الحقّ أنّه لا تبديل ولا تأخير ولا تقديم فيه ، وأنّه لم يزد ولم
ينقص ، ونعوذ بالله تعالى من أن يُعْتَقَد مثل ذلك وأمثال ذلك ، فإنّه يُوجِب
التطرّق إلى معجزة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم المنقولة بالتواتر» (2) .

7 ـ ويقول الاِمام الشيخ البهائي ، محمد بن الحسين الحارثي العاملي ،
المتوفّى سنة 1030 هـ ، كما نقل عنه البلاغي في (آلاء الرحمن) :
«الصحيح أنّ القرآن العظيم محفوظٌ عن التحريف ، زيادةً كان أو نقصاناً ،
ويدلّ عليه قوله تعالى : (
وإنّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) وما اشتهر بين الناس من
اسقاط اسم أمير المؤمنين عليه السلام منه في بعض المواضع ، مثل قوله تعالى
(
يا أيُّها الرسولُ بَلّغ ما أُنْزِل إليكَ ـ في عليّ ـ ) وغير ذلك ، فهو غير معتبرٍ
عند العلماء» (3) .

8 ـ ويقول الاِمام الشيخ جعفر كاشف الغطاء ، المتوفّى سنة (1228 هـ )
في (كشف الغطاء) : «لا ريب في أنّ القرآن محفوظٌ من النقصان بحفظ
الملك الديّان ، كما دلّ عليه صريح الفرقان ، واجماع العلماء في جميع
____________
(1) مجمع البيان 1 : 83 .
(2) أجوبة المسائل المهناوية : 121 .
(3) آلاء الرحمن 1 : 26 .
( 28 )
الاَزمان ، ولاعبرة بالنادر ، وما ورد في أخبار النقيصة تمنع البديهة من
العمل بظاهرها ، ولاسيّما مافيه نقص ثلث القرآن أو كثير منه ، فإنّه لو
كان كذلك لتواتر نقله ، لتوفّر الدواعي عليه ، ولا تّخذه غير أهل الاِسلام
من أعظم المطاعن على الاِسلام وأهله ، ثمّ كيف يكون ذلك وكانوا
شديدي المحافظة على ضبط آياته وحروفه» (1) .

9 ـ ويقول الاِمام المجاهد السيد محمد الطباطبائي ، المتوفّى سنة
(1242 هـ) في (مفاتيح الاُصول) : «لاخلاف أنّ كل ماهو من القرآن يجب
أن يكون متواتراً في أصله وأجزائه ، وأمّا في محلّه ووضعه وترتيبه
فكذلك عند محقّقي أهل السنة ، للقطع بأنّ العادة تقضي بالتواتر في
تفاصيل مثله، لاَنّ هذا المعجز العظيم الذي هو أصل الدين القويم ،
والصراط المستقيم ، ممّا توفّرت الدواعي على نقل جمله وتفاصيله ، فما
نقل آحاداً ولم يتواتر ، يقطع بأنّه ليس من القرآن قطعاً» (2) .

10 ـ ويقول الاِمام الشيخ محمد جواد البلاغي ، المتوفّى سنة (1352 هـ )
في (آلاء الرحمن) : «ولئن سمعت من الروايات الشاذّة شيئاً في تحريف
القرآن وضياع بعضه ، فلا تُقِم لتلك الروايات وزناً ، وقلَّ ما يشاء العلم في
اضطرابها ووهنها وضعف رواتها ومخالفتها للمسلمين ، وفيما جاءت به
في مروياتها الواهية من الوهن، وما ألصقته بكرامة القرآن ممّا ليس له شَبَه
به» (3) .
____________
(1) كشف الغطاء : 229 .
(2) البرهان للبروجردي : 120 .
(3) آلاء الرحمن 1 : 18 .
( 29 )

11 ـ ويقول الاِمام الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء ، المتوفّى
سنة( 1373 هـ) في (أصل الشيعة وأصولها) : «إنّ الكتاب الموجود في أيدي
المسلمين ، هو الكتاب الذي أنزله الله إليه صلى الله عليه وآله وسلم للاعجاز والتحدّي ،
ولتعليم الاَحكام ، وتمييز الحلال من الحرام ، وإنّه لا نقص فيه ولا تحريف
ولا زيادة ، وعلى هذا إجماعهم ، ومن ذهب منهم ، أو من غيرهم من فرق
المسلمين ، إلى وجود نقصٍ فيه أو تحريفٍ ، فهو مخطئ، يَرُدّهُ نص
الكتاب العظيم (
إنّا نحنُ نزّلنا الذكرَ وإنّا لَهُ لَحَافِظُونَ )) (الحجر15: 9).

والاَخبار الواردة من طرقنا أو طرقهم الظاهرة في نقصه أو تحريفه ،
ضعيفة شاذّة ، وأخبار آحاد لا تفيد علماً ولا عملاً ، فأمّا أن تُؤوّل بنحوٍ من
الاعتبار أو يُضْرَب بها الجدار» (1) .

12 ـ ويقول الاِمام السيد عبدالحسين شرف الدين العاملي ، المتوفّى
سنة (1377 هـ) ، في (أجوبة مسائل جار الله) : «إنّ القرآن العظيم والذكر
الحكيم ، متواترٌ من طُرقنا بجميع آياته وكلماته وسائر حروفه وحركاته
وسكناته ، تواتراً قطعياً عن أئمة الهدى من أهل البيت عليهم السلام ، لا يرتاب في
ذلك إلاّ معتوهٌ ، وأئمّة أهل البيت عليهم السلام كلّهم أجمعون رفعوه إلى جدّهم
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الله تعالى ، وهذا أيضاً ممّا لا ريب فيه . وظواهر القرآن
الحكيم ، فضلاً عن نصوصه ، أبلغ حجج الله تعالى ، وأقوى أدلّة أهل الحقّ
بحكم الضرورة الاَولية من مذهب الاِمامية ، وصحاحهم في ذلك متواترةٌ
من طريق العِترة الطاهرة ، ولذلك تراهم يضربون بظواهر الصحاح
المخالفة للقرآن عرض الجدار ولا يأبهون بها ، عملاً بأوامر أئمتهم عليهم السلام .
____________
(1) أصل الشيعة وأُصولها : 101 ـ 102 ط15 .
( 30 )

وكان القرآن مجموعاً أيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ماهو عليه الآن من الترتيب
والتنسيق في آياته وسوره وسائر كلماته وحروفه ، بلا زيادةٍ ولا نقصانٍ ،
ولا تقديمٍ ولا تأخيرٍ ، ولا تبديلٍ ولا تغيير» (1) .

13 ـ ويقول الاِمام السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي ، المتوفّى سنة
1413 هـ ، في (البيان في تفسير القرآن) : «المعروف بين المسلمين عدم
وقوع التحريف في القرآن ، وأنَّ الموجود بأيدينا هو جميع القرآن المنزل
على النبي الاَعظم صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد صرح بذلك كثير من الاَعلام ، منهم رئيس
المحدثين الشيخ الصدوق محمد بن بابويه ، وقد عدّ القول بعدم
التحريف من معتقدات الاِمامية» (2) .

ويقول أيضاً : «إنّ حديث تحريف القرآن حديث خرافة وخيال ،
لايقول به إلاّ من ضعف عقله ، أو من لم يتأمّل في أطرافه حقّ التأمّل ، أو
من ألجأه إليه من يحبّ القول به ، والحبّ يعمي ويصمّ ، وأمّا العاقل
المنصف المتدبّر فلا يشكّ في بطلانه وخرافته» (3) .

14 ـ يقول الاِمام الخميني المتوفّى سنة 1409 هـ : «إنّ الواقف على
عناية المسلمين بجمع الكتاب وحفظه وضبطه ، قراءةً وكتابةً ، يقف على
بطلان تلك الروايات المزعومة . وما ورد فيها من أخبار ـ حسبما تمسّكوا
به ـ إمّا ضعيف لا يصلح للاستدلال به ، أو موضوع تلوح عليه إمارات
الوضع ، أو غريب يقضي بالعجب ، أمّا الصحيح منها فيرمي إلى مسألة
____________
(1) عبدالحسين شرف الدين | أجوبة مسائل جار الله : أُنظر ص 28 ـ 37 .
(2) البيان في تفسير القرآن : 200 .
(3) البيان في تفسير القرآن : 259 .
( 31 )
التأويل ، والتفسير، وإنّ التحريف إنّما حصل في ذلك ، لا في لفظه
وعباراته .

وتفصيل ذلك يحتاج إلى تأليف كتاب حافل ببيان تاريخ القرآن
والمراحل التي قضاها طيلة قرون ، ويتلخّص في أنّ الكتاب العزيز هو عين
ما بين الدفّتين ، لا زيادة فيه ولا نقصان ، وأنّ الاختلاف في القراءات أمر
حادث ، ناشئ عن اختلاف في الاجتهادات ، من غير أن يمسّ جانب
الوحي الذي نزل به الروح الاَمين على قلب سيد المرسلين» (1) .
____________
(1) تهذيب الأصول 2: 165