مركز الارتباط بسماحة اية الله العظمى السيد السيستاني (دام ظله) في لندن واوربا والامريكيتين

في موعظة رمضانية: ممثل المرجعية العليا في اوربا ينهى عن الاسراف والتبذير ولو بمقدار فضل الاناء من الماء او القاء النوى بعد اكل التمر التزاما بتعاليم القران واحاديث النبي (ص) والعترة الطاهرة (ع)

دأب بعض الناس خاصة في المجتمع الشرقي على الاسراف في الطعام والشراب واللباس والكهرباء والماء والكمالات المنزلية الى حد يحاسب عليه الانسان حسابا عسيرا ويعد من أصحاب النار.
اما الاسراف في الطعام والشراب في شهر رمضان فأمره عجيب وغريب، فبعض الناس يعد من اهتمامات استقبال شهر رمضان هو تكديس المطبخ بأنواع الأطعمة والاشربة حتى ذكرت بعض الاحصائيات بان المخازن (السوبرماركت) تبيع من المواد الغذائية وغيرها في شهر رمضان مالم تبيعه في 11 شهر من السنة، وليته يؤكله او يعطيه للحيوان ولا يرمى في النفايات، فالمعهد العربي لإنماء المدن بعد مسح شامل لحوالي 111 مدينة عام 1986م، يقول أن النفايات المنزلية في 29 مدينة خليجية تشكل 79% من المجموع العام للنفايات المختلفة، وهذه النسبة تعتبر من أعلى النسب في كل دول العالم. ولوحظ في بعض المدن ان الفرد الواحد يرمي من مختلف أنواع الطعام بما هو مقداره كيلوين يوميا.
من هنا راينا في بعض البلدان عمال البلدية تجمع القمامة المنزلية يوميا مرتين، بل يلاحظ أحيانا تزيد على البراميل المعدة لها. مقابل ذلك نرى البلدان الاوربية تجمع النفايات كل ثلاثة أيام او مرة أسبوعيا ، في الوقت الذي نجد الكثير من البلدان العربية وغيرها فيها من الفقراء ما لا يملكون من الطعام ما يشبع جوعتهم، وبأم عيني شاهدت في بلد عربي يجلس البعض على القمامة يفتش عن قطعة خبر او شيء اخر صالح للاكل فيها، وكثير من الشعوب تئن من وطأة الجوع والعطش وضروريات الحياة.
في حين ان التعاليم الإسلامية تنهى عن الاسراف والتبذير في الطعام والشراب الى حد ترى ان رمي فضلة الماء ونوى التمر هو من الاسراف، فقد ورد عن الإمام الصادق (ع) (إن القصد أمر يحبه الله عز وجل، وإن السرف يبغضه الله، حتى طرحك النواة فإنها تصلح لشيء وحتى صبك فاضل شرابك). فالإمام (ع) يضرب مثلًا بنواة الرطب فلا ترمها كأنها زائدة لا نفع منها بل يمكن أن تزرعها وتنبت منها نخلة جديدة، ويمكن أن تستفيد منها في شيء آخر. وكذلك فاضل الماء الذي تشربه فيمكنك أن تسقي به نبتة صغيرة أو تسقي به حيوانًا أو طيرا.
وفي مشهد اخر للامام الرضا (ع) يقوله لياسر الخادم عندما أكل الغلمان يوما فاكهة فلم يستقصوا أكلها ورموا بها، فقال لهم (ع) (سبحان الله إن كنتم استغنيتم فان أناسا لم يستغنوا أطعموه من يحتاج إليه).
صحيح أن خيرات الكون وثرواته خلقت من أجل الانسان ((ولقد كرمنا بني ادم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا)) وهي مسخرة له، لكنه لا يصح للإنسان أن يتصرف فيها تصرفًا عبثيًا ويحرم غيره من الانتفاع بها، ولهذا نهى القران عن التبذير والاسراف بشتى أنواعه، وان فاعله يعد من اعوان الشياطين ((إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورًا))، وفي آية أخرى يقول تعالى ((يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا انه لا يحب المسرفين)).
فآيات القرآن الكريم والاحاديث عن رسول الله وأهل بيته الطاهرين (ص) تحذر بشدة من الإسراف والتبذير، ولا يكون التبذير في المال والمأكل والمشرب فقط، بل في جميع ما تحت تصرف الإنسان من إمكانات خاصة أو عامة.
ومنها الوقت الذي هو نعمة من الله عز وجل ومن افضل النعم ، فعلينا ان نستثمره بالشكل الصحيح، ولا يحق هدره فيما لا ينفع. ورد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) أنه قال: (ما أنقصت ساعة من دهرك إلا بقطعة من عمرك) وفي وصية رسول الله (ص) لابي ذر (يا أبا ذر إياك والتسويف بأملك فإنك بيومك، ولست بما بعده فان يكن غد لك فكن في الغد كما كنت في اليوم، وإن لم يكن غد لك لم تندم على ما فرطت في اليوم. يا أبا ذر كم من مستقبل يوما لا يستكمله، ومنتظر غدا لا يبلغه).
كما ينبغي للإنسان أن يكون حساسًا تجاه ما عنده من إمكانات توفر له سبل العيش في هذه الدنيا، فلا يصح أن يتلاعب بها مهما كانت وفرتها. إن ما يقوم به بعض الناس عند الوضوء أو الغسل من هدر للمياه بحجة إحراز الطهارة أمر لا يجوز وهو وسواس شيطاني. كما أن عاداتنا السيئة في استخدام الماء فيها نوع من الجور على هذه الثروة العظيمة، وكأننا نعتبرها سلعة رخيصة لا تنفد أبدًا. الماء الصالح للشرب والاستخدام يعد اليوم من أعظم الثروات، فهناك دول تعاني من شح المياه، وتصرف الدول مبالغ كبيرة في سبيل توفير مياه صالحة للاستخدام. لذا من الواجب علينا ترشيد استهلاك المياه، وعلينا أن نربي أبناءنا على ذلك. وقد راينا البعض يرى في منزله تسربًا للمياه بسبب بعض مشاكل التسليك فيتجاهلها ما دامت لا تسبب له ضررًا، ولا يدري بأن كل قطرة ماء تنزل في كل ثانية يعني أنه يصرف ثمانية آلاف لترًا من الماء سنويًا. والتهاون في إجراء الصيانة لا يصح. لاحظ كيف كان رسول الله يوجه أصحابه: مرّ ذات يوم فرأى الصحابي سعد يتوضأ فقال له: (ما هذا السرف؟) فقال: أفي الوضوء إسراف؟ فقال : (نعم وإن كنت على نهر جار).
وللتوضيح ان الاسراف بمعناه الواسع هو الخروج وتجاوز الحد في أي عمل يقوم به الانسان، بينما اذا صرف في محله فلا يعتبر اسرافا ولو كان كثيرا فيعد من الاقتصاد، فعن الامام الصادق (ع) انه قال (من أنفق شيئا في غير طاعة الله فهو مبذر، ومن أنفق في سبيل الخير فهو مقتصد).
واذا كان الإسلام قد حذر من الاسراف والتبذير فهذا لا يعني انه قد منع من اعطاء كل ذي حق حقه او انه منع الانسان من الاستفادة من لذائد الدنيا، قال تعالى ((وكلوا واشربوا ولا تسرفوا انه لا يحب المسرفين)) وقال تعالى ((والذين اذا انفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما)) فمن اعطى في غير حق عد مسرفا ومن منع عن حق فقد قتر، وانما اعتبر الإسلام المبذرين اخوانا للشياطين لانهم قد كفروا بأنعم الله تعالى ووضعوها في غير مواضعها فأصبحت اعمالهم مطابقة لاعمال الشيطان، فعن الامام علي (ع) (من كان له مال فإياه والفساد، فإن اعطاءك المال في غير وجهه تبذير وإسراف، وهو يرفع ذكر صاحبه في الناس، ويضعه عند الله. ولم يضع امرء ماله في غير حقه وعند غير أهله إلا حرمه شكرهم وكان خيره لغيره، فإن بقي معه منهم من يريه الود ويظهر له الشكر فإنما هو ملق وكذب).
اذن علينا أيها المؤمنون ان نواجه الاسراف والتبذير بشدة خصوصا في شهر رمضان شهر الخير والبركة والرحمة ونستنزل الرحمات الإلهية فيه وان لا نكون من المسرفين الذين يستحلون المحارم ويسفكون الدماء حسب ما ورد عن بعض المعصومين (ع).
وهنا ايات كثيرة ترشدنا الى هذا المفهوم كما في قوله تعلى ((ان المسرفين هم اصحاب النار))، ((ولا تطيعوا امر المسرفين)) بل اعتبر القران ان الاسراف من الصفات الفرعونية ((وان فرعون لعال في الارض وانه لمن المسرفين)) كما اعتبر القران ان المسرف هو من غير اهل الهداية فجاء في قوله ((ان الله لا يهدي من هو مسرف كذاب)).
الى غير ذلك من الايات والاحاديث الواردة في باب (المعيشة) التي تحذرنا من الاسراف .
نسال من الله سبحانه وتعالى ان يوفقنا الى ما فيه رضاه ويجنبنا ما فيه سخطه وان يتقبل صيامنا وقيامنا واعمانا انه سميع مجيب.